القاعدة 161. التعاون الدولي في الإجراءات الجنائية.

القاعدة 161 يجب على الدول أن تبذل ما بوسعها لتتعاون، إلى الحد الممكن، مع بعضها البعض، لتسهيل التحقيق في جرائم الحرب ومحاكمة المشتبه بهم.
المجلد الثاني، الفصل 44، القسم و.
تكرّس ممارسة الدول هذه القاعدة كإحدى قواعد القانون الدولي العرفي المنطبقة في ما يتعلق بجرائم الحرب المرتكبة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
ينصّ البروتوكول الإضافي الأول، والبروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية على أنّ أطراف النزاع تقدّم كل منها للآخرى أكبر قسط للمعاونة في ما يتعلق بالتحقيق وبالإجراءات الجنائية، بما في ذلك التسليم، بخصوص جرائم الحرب المدرجة في هاتين الاتفاقيتين.[1] وتوجد أحكام مشابهة في الاتفاقية الأوروبية الخاصة بالمساعدة المشتركة في المسائل الجنائية، واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمناهضة المرتزقة، واتفاقية الأمم المتحدة بشأن المرتزقة، ومذكرة تفاهم الولايات المتحدة- الاتحاد السوفيتي بشأن ملاحقة مجرمي الحرب النازيين.[2]
وفي العام 1989، حثّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الدول على التعاون مع بعضها البعض في سياق حظر أخذ الرهائن،[3] وفي العام 1998، حثّ الدول على التعاون مع حكومتي جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا في التحقيق مع الأشخاص المذنبين لانتهاكات القانون الدولي الإنساني ومحاكمتهم.[4] كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات بين عامي 1970 و 1973، تدعو الدول للتعاون في التحقيق مع المشتبه بأنهم مجرمو حرب ومحاكمتهم.[5] وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القرارات تسببت بامتناع عدد كبير من الدول عن التصويت عليها، وذلك و بشكل أساسي، لأنّ الجرائم التي تشملها هذه القرارات لم تكن معرّفة بشكل واضح.[6] وفي قرارين تم اعتمادهما بالإجماع ودون تصويت على التوالي، حثت لجنة حقوق الإنسان الدول أيضاً على أن تتخذ التدابير اللازمة لتتعاون من أجل كفالة محاكمة الأشخاص المذنبين بارتكابهم جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.[7] ويشير سجل التصويت على قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى الحقيقة أنّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولجنة حقوق الإنسان حثا الدول على أن تتعاون بدلاً من دعوتها القيام بذلك، إلى أنه لا يوجد، كما يبدو، في القانون الدولي العرفي، واجب مطلق في التعاون، بل أمل في أن تبذل الدول ما بوسعها من جهود، وبحسن نية، للتعاون. ومن الأهمية بمكان أنّ الولايات المتحدة، التي ليست طرفاً في البروتوكول الإضافي الأول، ذكرت في العام 1987 أنها تدعم المبدأ في أن تقوم السلطات المختصة "بجهود حسن نية للتعاون مع بعضها البعض".[8]
ولذلك، يبدو أنه يوجد قبول عام للمبدأ بأنّ على الدول أن تبذل ما بوسعها من جهود لتتعاون مع بعضها البعض من أجل تسهّل التحقيق والمحاكمة للمشتبه بهم كمجرمي حرب. وبهذا الشأن، لم تقم الدول بأي تمييز بين جرائم الحرب المرتكبة في النزاعات المسلحة الدولية وتلك المرتكبة في النزاعات المسلحة غير الدولية. وتشمل أشكال التعاون المشار إليها في مختلف القرارات التحقيق، وتبادل الوثائق، والتوقيف، والمحاكمة، والتسليم.
يوجد انتظام في الممارسة، في القانون التعاهدي والقانون الوطني، مفاده أنّ جرائم الحرب تخضع للتسليم بمقتضى معاهدات التسليم مع ذلك، لا يبدو أنه يوجد واجب في تسليم الأشخاص المشتبه بارتكابهم جرائم حرب. ويذكر البروتوكول الإضافي الأول "تتعاون [الدول] بالنسبة لتسليم المجرمين، عندما تسمح الظروف بذلك" ويضيف أنها "تولي طلب الدولة التي وقعت المخالفة المذكورة على أراضيها ما يستأهله من اعتبار".[9] وتتضمّن جميع اتفافات التسليم الشروط اللازمة للتسليم (نموذجياً، أن تكون المخالفة جريمة في الدولتين مع نصّ على حد أدنى من العقوبة)، وتجدر الإشارة إلى أنّ تسليم مشتبه به إلى بلد حيث يوجد خطر في أن يتعرّض الشخص للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية يشكل انتهاكاً للقانون الدولي. وفي حين توجد أمثلة على التسليم، كقضية بربيكي في العام 1995، وقضية كافالو في العام 2001، توجد أيضاً أمثلة على رفض التسليم وذلك، ومن بين أسباب أخرى، لعدم وجود معاهدة تسليم مع الدولة المطالبة بذلك، كقضية تسليم باربي في العام 1974.[10] وتذكر عدة دول، وبوضوح، أنها لن تقوم بتسليم رعاياها.[11]
وينصّ الكثير من معاهدات التسليم الثنائية والإقليمية، وكذلك تشريعات وطنية، على أنه لا يجوز التسليم بسبب "إساءة سياسية"، ولكنّ هذا الاستثناء لا يطبّق على الجرائم التي ينصّ عليها القانون الدولي.[12] ويرد هذا المبدأ أيضاً في معاهدات أخرى.[13] كما جرى تطبيقه في سوابق قضائية وطنية.[14]
ويبدو أنّ هذه الممارسة تُظهر أنّ التعاون في مقاضاة المشتبه بأنهم مجرمو حرب يجب أن يشمل التسليم عندما يتم طلبه، ولكن من المحتمل أن يضخع هذا التسليم لشروط. ولا توجد إشارة إلى أيّ اختلاف في تطبيق هذه القاعدة بالنسبة للجرائم المرتكبة في سياق النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية. وإذا جرى رفض التسليم، وفي حال الانتهاكات الجسيمة أو الجرائم الأخرى التي تنصّ المعاهدات متعددة الأطراف على واجب المحاكمة أو التسليم على أساس الاختصاص العالمي، عندها يتوجب على الدولة التي قدّم لها طلب التسليم أن تقوم هي بمحاكمة المدعى بأنه مجرم. وفي حال جرائم الحرب الأخرى، يتوجب على الدولة أن تقوم بالتحقيق والمحاكمة وفقاً للقاعدة 158.
توجد أحكام محددة للتعاون في سياق النظم الأساسية للمحاكم الدولية. ويجب القيام بهذا التعاون إما بمقتضى المعاهدة، كما هي الحال بالنسبة للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أو كتنفيذ لقرارت ملزمة صادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما هي الحال بالنسبة للمحاكم المنشأة بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.[15]
[1] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 88 (تم اعتمادها بالإجماع) (المرجع نفسه، §886)؛ البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، المادة 19 (المرجع نفسه، §890).
[2] European Convention on Mutual Assistance in Criminal Matters, Article 1(1) (ibid., § 885); OAU Convention against Mercenarism, Article 10 (ibid., 887); UN Mercenary Convention, Article 13 (ibid., § 888); United States-Soviet Memorandum of Understanding on the Pursuit of Nazi War Criminals, Article 1 (ibid., § 889).
[3] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار 638 (المرجع نفسه، §913).
[4] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بيان رئاسي (المرجع نفسه، §914).
[5] الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار (XXV) 2712 (المرجع نفسه، §915)، والقرار (XXVI) 2840 (المرجع نفسه، §916)، والقرار (XXVII) 3020 (المرجع نفسه، §917)، والقرار (XXVIII) 3074 (المرجع نفسه، §918).
[6] انظر الحاشيتين 217 و 256 والنص المرافق.
[7] لجنة حقوق الإنسان، القرار (XXI) 3 (المرجع نفسه، §919)، والقرار 1988/47 (المرجع نفسه، §920).
[8] الولايات المتحدة، ملاحظات نائب المستشار القانوني لوزارة الخارجية Remarks of the Deputy Legal Adviser of the Department of State (المرجع نفسه، §909).
[9] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 88 (2) (المرجع نفسه، §936).
[10] الأرجنتين Supreme Court of Justice, Priebke case (المرجع نفسه، §971)؛ المكسيك،Federal Court of the First Cricuit, Cavallo case (المرجع نفسه، §974)؛ بوليفيا، Supreme Court, Brabic extradition case (المرجع نفسه، §972)، وتجدر الإشارة إلى أنّ كلاوس باربي جرى طرده لاحقاً من بوليفيا إلى فرنسا.
[11] انظر، على سبيل المثال، ممارسة بلجيكا (المرجع نفسه، §1024)، وكرواتيا (المرجع نفسه، §1010)، وليتوانيا (المرجع نفسه، §1015)، ومنغوليا (المرجع نفسه، §1003)، وروسيا (المرجع نفسه، §1017)، ورواندا (المرجع نفسه، §1018)، وإسبانيا (المرجع نفسه، §1019)، واليمن (المرجع نفسه، §1020)، ويوغوسلافيا (المرجع نفسه، §1021)؛ انظر أيضاً معاهدات التسليم الثنائية التي تلحظ استثناء محدداً لرعايا الدولة (المرجع نفسه، §994)، مع أنّ معاهدات أخرى تحظر هذا الاستثناء (المرجع نفسه، §§995، و996، و999،و 1001، و1004).
[12] Extradition Treaty between Brazil and Peru, Article IV (ibid., § 1030); European Convention on Extradition, Article 3(1) (ibid., § 1032), Extradition Treaty between Venezuela and Chile, Article 4(5) (ibid., § 1034); Additional Protocol to the European Convention on Extradition, Article 1 (ibid., § 1036); Extradition Treaty between Spain and Argentina, Article 5 (1) (ibid., § 1037); Extradition Treaty between Peru and Spain, Article 5 (ibid., § 1038); Extradition Treaty between Chile and Spain, Article 5(1) (ibid., § 1039); Extradition Treaty between Australia and Chile, Article IV(1) (ibid., § 1040); Extradition Treaty between Argentina and the United States, Article 4 (ibid., § 1042); تشريعات الأرجنتين (المرجع نفسه، §1047)، ولوكسمبورغ (المرجع نفسه، §1052)، وهولندا (المرجع نفسه، §1053)، وبيرو (المرجع نفسه، §1054)، والبرتغال (المرجع نفسه، §1055)، وإسبانيا (المرجع نفسه، §1057).
[13] انظر، على سبيل المثال، Genocide Convention, Article VII (ibid., § 1031); International Convention on the Suppression and Punishment of the Crime of Apartheid, Article XI (ibid., § 1035): Inter-American Convention on the Forced Disappearance of Persons, Article V (ibid., § 1041)؛ البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، المادة 20 (المرجع نفسه، §1043).
[14] انظر، على سبيل المثال New Zealand, Military Manual (ibid., § 1045) (referring to Ghana, Court of Appeal, Schumann Extradition case (1949)); Argentina, Supreme Court of Justice, Bohne case (ibid., § 1059).
[15] النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المواد 86-101، وعلى الأخص المادة 86 (المرجع نفسه، §1070)، والمادة 93 (المرجع نفسه، §1071)؛ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار 827 (المرجع نفسه، §1125) (بخصوص التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة)، والقرار 955 (المرجع نفسه، §1127) (بخصوص التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية لرواندا).