القاعدة 144. كفالة احترام الجميع للقانون الدولي الإنساني.

القاعدة 144. يجب ألا تشجع الدول انتهاكات القانون الدولي الإنساني من قبل أطراف النزاع المسلح. ويجب أن تمارس نفوذها، إلى الحد الممكن، لوقف انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
المجلد الثاني، الفصل 41، القسم أ.
تكرّس ممارسة الدول هذه القاعدة كإحدى قواعد القانون الدولي العرفي المنطبقة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
تنصّ المادة الأولى المشتركة في اتفاقيات جنيف على أنّ الدول الأطراف تتعهد بأن "تكفل احترام هذه الاتفاقية".[1] ويتكرر الحكم ذاته في البروتوكول الإضافي الأول بالنسبة لاحترام أحكام ذلك البروتوكول.[2] وبالإضافة إلى ذلك، ينصّ البروتوكول الإضافي الأول على أن الدول الأطراف تتعهد بأن تعمل، مجتمعة أو منفردة، في حالات الخرق الجسيم لهذا البروتوكول، بالتعاون مع الأم المتحدة وبما يتلاءم مع ميثاقها.[3] ويتضمّن البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية حكماً مماثلاً.[4]
وفي تعليقها على المادة 1 المشتركة في اتفاقيات جنيف، ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مراراً وتكراراً أنّ الواجب في "كفالة الاحترام" لا يقتصر على سلوك أطراف النزاع، وإنما يشمل ضرورة أن تعمل الدول ما بوسعها لتكفل احترام القانون الدولي الإنساني دون استثناء.[5]
وقد أيّد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التفسير الذي مفاده أنّ المادة 1 المشتركة تشمل التزامات تتعدى واجبات أطراف النزاع، في قرار تم اعتماده في العام 1990، ويدعو الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة إلى أن تكفل احترام إسرائيل لواجباتها، طبقاً للمادة 1 من الاتفاقية.[6] كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات بالمعنى نفسه، وتتعلق بالنزاع ذاته.[7] وكذلك، دعت منظمات دولية أخرى الدول الأعضاء فيها إلى أن تحترم القانون الدولي الإنساني وتكفل احترامه، وخاصة مجلس أوروبا، ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة الدول الأمريكية.[8]
وكذلك، فقد دعت مؤتمرات دولية الدول إلى أن تكفل احترام القانون الدولي الإنساني. وفي العام 1968، اعتمد المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي عقد في طهران قراراً يشير إلى أنّ الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف لم تنجح أحياناً "في إدراك مسؤوليتها باتخاذ خطوات تكفل احترام هذه القواعد الإنسانية في كافة الظروف من قبل دول أخرى، حتى وإن لم تكن معنيّة بشكل مباشر بنزاع مسلح".[9] وفي البيان الختامي الذي تم اعتماده من قبل المؤتمر الدولي لحماية ضحايا الحرب في العام 1993، تعهد المشاركون بالعمل "بالتعاون مع الأمم المتحدة، وبما يتلاءم مع ميثاقها، من أجل ضمان الالتزام التام بالقانون الإنساني في حالات الإبادة الجماعية والإنتهاكات الجسيمة الأخرى لهذا القانون"، وأكدوا مسؤوليتهم" وفقاً للمادة 1 المشتركة في اتفاقيات جنيف، في أن يحترموا القانون الدولي الإنساني ويكفلوا احترامه من أجل حماية ضحايا الحرب". وحثوا جميع الدول على بذل كافة الجهود من أجل "ضمان فعالية القانون الدولي الإنساني، والعمل بعزم طبقاً لهذا القانون، ضد الدول التي تتحمل مسؤولية انتهاك القانون الدولي الإنساني من أجل وضع حد لهذه الانتهاكات".[10] كما رحّب مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف الأربع، الذي عقد في العام 2001، وشجّع مبادرات الدول، إما بشكل إفرادي أو جماعي، والتي تهدف إلى ضمان احترام الاتفاقيات.[11]
وتشير الممارسة إلى أنّ واجب الدول الأخرى في أن تكفل احترام القانون الدولي الإنساني لا يقتصر على تنفيذ حكم المعاهدة الوارد في المادة 1 المشتركة في اتفاقيات جنيف، والمادة 1(1) من البروتوكول الإضافي الأول. وعلى سبيل المثال، تضمنت نداءات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ما يتعلق بالنزاع في روديسيا/زيمبابوي في العام 1979، وحرب إيران- العراق في العامين 1983 و1984، دعوات لضمان احترام قواعد ليست موجودة في اتفاقيات جنيف وإنما ترد في البروتوكولين الإضافيين (قصف المناطق المدنية والهجمات العشوائية)، مع العلم أنّ الدول التي زُعم أنها تقوم بارتكاب هذه الانتهاكات لم تكن أطرافاً في البروتوكولين.[12] ومن الأهمية بمكان، أنّ هذه النداءات وُجّهت للمجتمع الدولي، ولم تعترض أية دولة عليها، في حين ايدتها عدة دول ليست أطرافاً في البروتوكولين الإضافيين.[13]
وفي قضية نيكاراغوا (ميريتس) في العام 1986، قضت محكمة العدل الدولية بأنّ الواجب في الاحترام وكفالة الاحترام لا يستمد من اتفاقيات جنيف فحسب، بل "من المبادئ العامة للقانون الإنساني، التي تعطي الاتفاقيات مجرد تعبير محدد عنها" ولذلك، خلصت المحكمة إلى أنّ الولايات المتحدة "ملزمة بألاّ تشجع أشخاصاً أوجماعات على علاقة بالنزاع في نيكاراغوا، على القيام بأعمال تشكل انتهاكاً لأحكام المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949".[14] وبشكل مماثل، وطبقاً لمشاريع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن لأفعال غير المشروعة دولياً، فإن "الدولة التي تمد يد العون أو تساعد دولة أخرى في ارتكاب عمل غير مشروع دولياً، تكون مسؤولة دولياً عن القيام بذلك العمل".[15] وقد رفضت محاكم وطنية، في عدة قضايا، ادعاءات بأنّ هذه القاعدة تمنع الدول من ترحيل أشخاص إلى بلاد يُزعم حدوث انتهاكات فيها للمادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف.[16]
وبالنسبة لأية التزامات إيجابية يفرضها الواجب في ضمان احترام القانون الدولي الإنساني، يوجد اتفاق على أنّ لجميع الدول الحق في طلب احترام القانون الدولي الإنساني من قبل الأطراف في أيّ نزاع. وقد ذكرت غرفة المحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في أحكامها في قضية فوروندزيا في االعام 1998، وقضية كوبريسكيتش في العام 2000، أنّ قواعد القانون الدولي الإنساني هي قواعد لجميع الناس، ولذلك فإنّ لجميع الدول "مصلحة شرعية" في الامتثال لها، وبالتالي فإن للدول حقاً قانونياً في طلب احترامها.[17] وتُظهر الممارسة استخداماً ساحقاً لـ (1) الاحتجاج الدبلوماسي و(2) تدابير جماعية، حيث تمارس الدول من خلال هذه التدابير نفوذها، وللحد الممكن، لمحاولة وقف الانتهاطات للقانون الدولي الإنساني.[18]
(1) الاحتجاج الدبلوماسي. توجد ممارسة واسعة، وخاصة في العقدين الأخيرين، لدول تعترض على انتهاكات دول أخرى للقانون الدولي الإنساني. وتتعلق هذه الاعتراضات بالنزاعات المسلحة الدولية و غير الدولية. و لا تقتصر هذه الاعتراضات على انتهاكات لاتفاقيات جنيف، وغالباً ما تتعلق بنزاعات ليس للدول المحتجّة أية علاقة محددة بها. وتتم هذه الاعتراضات من خلال احتجاجات دبلوماسية ثنائية، أو في محافل دولية، أو بقرارات من منظمات دولية. وعادة توجّه بشكل مباشر إلى الأطراف المنتهكة. وقد أشارت هذه الاحتجاجات، بين الفينة والأخرى، وبشكل محدد، إلى واجب الدول بموجب المادة 1 المشتركة في اتفاقيات جنيف، في أن تكفل احترام القانون الدولي الإنساني. وترد الممارسة بهذا الشأن في سياق مختلف القواعد التي تتضمنها هذه الدراسة.
(2) التدابير الجماعية. في ما عدا قرارات الهيئات الدولية، فالتدابير الجماعية للدول لمحاولة أن "تكفل الاحترام" جاءت، ومن بين أمور أخرى، في عقد مؤتمرات دولية بخصوص أوضاع محددة، والتحقيق في انتهاكات محتملة، وإنشاء محاكم جنائية خاصة، وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات دولية، وإرسال قوات لحفظ السلام أو لفرض السلام. وترد هذه الممارسة في ما يتعلق بكل قاعدة من القواعد في هذه الدراسة.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن واجب الدول في تكريس الاختصاص العالمي بشأن الانتهاكات الجسيمة (انظر التعليق على القاعدة 157) وواجبها في التحقيق في جرائم الحرب التي تقع ضمن اختصاصها، ومحاكمة المشتبه بهم إن كان ذلك ملائماً (انظر القاعدة 158) يبيّن كيفية إنفاذ الاحترام للقانون الدولي الإنساني من خلال عمل الدول الأخرى.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أنّه لم يكن في نيّة من صاغ المادة 1 المشتركة في اتفاقيات جنيف، كما ليس في الممارسة التي توالت منذ ذلك الحين، أن يُستخدم الواجب في ضمان احترام القانون الدولي الإنساني كأساس وحيد للجوء إلى استخدام القوة. لذا فمن المتوقع أن تكون التدابير التي تهدف إلى ضمان الاحترام، والتي تتعدى التدابير التي يقررها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تدابير سلمية. وينصّ البروتوكول الإضافي الأول على تعهّد الدول، في حالات الخرق الجسيم للبروتوكول، بأن تعمل، مجتمعة أو منفردة، بالتعاون مع الأمم المتحدة وبما يتلاءم مع ميثاق الأمم المتحدة.[19] وبالإشارة إلى تدابير تتخذ بما يتلاءم مع ميثاق لأمم المتحدة، يوضح البروتوكول بشكل جليّ، أنّ الدول لا تستطيع استخدام القوة بطريقة لا يجزيها الميثاق، من أجل أن تكفل احترام القانون الدولي الإنساني. وينطبق الاستنتاج ذاته على المادة 31 من البورتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، والذي يتضمن حكماً مماثلاً.
[1] اتفاقيات جنيف، المادة 1 المشتركة (ترد في المجلد الثاني، الفصل 41، §1).
[2] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 1(1) (تم اعتمادها بصالح 87 صوتاً، ومعارضة صوت واحد، وامتناع 11 عن التصويت) (المرجع نفسه، §2).
[3] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 89 (تم اعتمادها بصالح 50 صوتاً، ومعارضة 3 أصوات، وامتناع 40 عن التصويت) (المرجع نفسه، §3).
[4] البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، المادة 31، التي تنصّ على أنه "في حالات حدوث انتهاكات خطيرة لهذا البروتوكول، تتعهد الأطراف بأن تعمل – جماعة عن طريق اللجنة، أو فرادى – في تعاون مع اليونيسكو والأمم المتحدة، وبما يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة".
[5] Jean S. Pictet (ed.), Commentary on the Third Geneva Convention, ICRC,Geneva, 1960, p. 18; Yves Sandoz, Christophe Swinarski, Bruno Zimmermann (eds.), Commentary on the Additional Protocols, ICRC, Geneva, 1987, § 45.
[6] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار 681 (يرد في المجلد الثاني، الفصل 41، § 21).
[7] انظر الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 91/32 أ (المرجع نفسه، §22)، والقرار 123/37 أ (المرجع نفسه، §23)، والقرار 180/38 أ (المرجع نفسه، §24)، والقرار 43/21(المرجع نفسه، §25).
[8] Council of Europe, Parliamentary Assembly, Res. 823 (ibid., § 30), Res. 881 (ibid., § 31), Res. 921 (ibid., § 32) and Res. 948 (ibid., § 33); Council of Europe, Committee of Ministers, Declaration on the rape of women and children in the terriory of former Yugoslavia (ibid., § 34); NATO, Parliamentary Assembly, Resolution of the Civilian Affairs Committee (ibid., § 35); OAU, Conference of African Ministers of Health, Res. 14 (v) (ibid., §36); OAS, General Assembly, Res. 1408 (XXVI-O/96) (ibid., § 37).
[9] International Conference on Human Rights, Res. XXIII (ibid., § 38).
[10] International Conference for the Protection of War Victims, Final Declaration (ibid., § 43).
[11] Conference of High Contracting Parties to the Fourth Geneva Convention, Declaration (ibid., § 45).
[12] انظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، النزاع في أفريقيا الجنوبية: نداء اللجنة الدولية (المرجع نفسه، §52)، النزاع بين العراق وإيران: نداء اللجنة الدولية (المرجع نفسه، §53)، النزاع بين إيران والعراق: النداء الثاني من اللجنة الدولية (المرجع نفسه، §54)، والبيان الصحفي رقم 1498 (المرجع نفسه، §55).
[13] انظر، على سبيل المثال، بيانات المملكة المتحدة (المرجع نفسه، §19)، والولايات المتحدة (المرجع نفسه، §20).
[14] محكمة العدل الدولية، ICJ, Nicaragua case (Merits) (المرجع نفسه، §46).
[15] مشاريع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، المادة 16 (المرجع نفسه، §10).
[16] انظر، على سبيل المثال الولايات المتحدة، Executive Office for Immigration Review and Board of Immigration Appeals, Medina case (المرجع نفسه، §14)، حيث وجد مجلس نداءات الهجرة Board of Immigration Appeals أنّ من غير الواضح "أية واجبات، إن وُجدت" يفترض بالمادة 1 المشتركة فرضها بخصوص انتهاكات دول أخرى للقانون الدولي الإنساني؛ الولايات المتحدة، District Court for the Northern Distrcit of California, Baptist Churches case (المرجع نفسه، §15)، حيث اعتبرت المحكمة أنّ المادة 1 المشتركة ليست حكم معاهدة ذاتي التنفيذ لأنها لا "توفر أية خطوط توجيهية واضحة للإنفاذ القضائي" ولا تمنع الولايات المتحدة من ترحيل أشخاص إلى السلفادور وغواتيمالا؛ كندا، Federal Court Trial Division, Sinnappu case (المرجع نفسه، §13)، حيث قضت المحكمة بأنّ المادة 1 المشتركة لا تمنع كندا من إعادة الذين لم ينجحوا في طلب اللجوء إلى سريلانكا.
[17] المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ICTY, Furundžija case, Judgment (المرجع نفسه، §47)، وKuprežkić case, Judgement (المرجع نفسه، §48).
[18] من أجل نظرة عامة على التدابير المتاحة للدول للقيام بواجبها في أن تكفل احترام القانون الدولي الإنساني، انظر. International Review of the Red Cross, No. 298, 1994, p.9
[19] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 89 (تم اعتمادها بصالح 50 صوتاً، ومعارضة 3 أصوات، وامتناع 40 عن التصويت) (ترد في المجلد الثاني، الفصل 41، §3).