القاعدة 108. المرتزقة.

القاعدة 108. ليس للمرتزقة الحقّ في وضع المقاتل أو أسير الحرب وفقاً للتعريف الوارد في البروتوكول الإضافي الأول ولا يدانون أو تصدر أحكام في حقهم دون محاكم مسبقة.
المجلد الثاني، الفصل 33، القسم ج.
تكرّس ممارسة الدول هذه القاعدة كإحدى قواعد القانون الدولي العرفي المنطبقة في النزاعات المسلحة الدولية.
ينصّ البروتوكول الإضافي الأول على القاعدة التي مفادها أنّ المرتزقة ليس لهم الحقّ في وضع المقاتل أو أسير الحرب.[1] كما ترد هذه القاعدة أيضاً في بعض المعاهدات الأخرى.[2] وينصّ العديد من كتيّبات الدليل العسكري على أنّ المرتزقة لا يتمتعون بوضع المقاتل أو أسير الحرب.[3] ويذكر كتيّب يستخدم للتعليم في الجيش الإسرائيلي أنّ هذه القاعدة جزء من القانون الدولي العرفي.[4] وبمقتضى تشريعات عدد من الدول، فإنّ مشاركة مرتزق في نزاع مسلح جرم يعاقب عليه.[5] كما تدعم بيانات رسمية وممارسة موثقة أيضاً هذه القاعدة.[6] وتشمل هذه الممارسة تلك الخاصة بدول ليست، أو لم تكن في حينه، أطرافاً في البروتوكول الإضافي الأول.[7] غير أنّ الولايات المتحدة ذكرت أنها لا تعتبر أحكام المادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول عرفيّة.[8]
ومن الممكن أن تكون هذه القاعدة قد فقدت الكثير من معناها لأنّ تعريف المرتزقة الذي تمّ الاتفاق عليه في البروتوكول الإضافي الأول مُقيّد جداً (انظر الفقرة أدناه). وقد أقرّت الولايات المتحدة بهذه النقطة، الأمر الذي يفسّر سبب عدم معارضتها للمادة 47 في المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين.[9]
بالإضافة إلى ذلك، وبسبب معارضة الدول الأفريقية لأنشطة المرتزقة، التي تعود أساساً إلى تورط المرتزقة في حروب التحرير الوطنية، حيث كانوا يقاتلون ضد شعوب ترغب في ممارسة حقها في تقرير المصير، لم تجرِ متابعة هذه المسألة القوة نفسها في السنوات الأخيرة، وبالتالي فإنّ الحديث عن وصمة العار اللاحقة بالمرتزقة قد قلّ.
يُعرّف البروتوكول الإضافي الأول المرتزق عل أنه أيّ شخص:
يجرى تجنيده خصيصاً محلياً، أو في الخارج، ليقاتل في نزاع مسلح؛
يشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية؛
يحفزه أساساً إلى الاشتراك في الأعمال العدائية، الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويبذل له فعلاً من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم؛
وليس من رعايا طرف في النزاع ولا متوطناً بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع؛
ليس فرداً في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع؛
وليس موفداً في مهمة رسمية من قبل دولة لسيت طرفاً في النزاع بوصفه فرداً في قواتها المسلحة.[10]
ويُعتبر هذا التعريف مُقيّداً جداً لأنه يتطلّب أن تكون الشروط الستة مجتمعة مستوفاه كي يُعَدّ الشخص مرتزقاُ. وبالإضافة إلى ذلك، يتطلّب التعريف تقديم الدليل على أنّ المتهم مرتزق "يحفزه أساساُ إلى الإشتراك في الأعمال العدائية، الرغبة في تحقيق مغنم شخصي" وبأنه وُعد "بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة أو ما يُدفع لهم". وفي المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين، عبّرت أفغانستان، والكاميرون، وكوبا، وموريتانيا، ونيجيريا، وزائير عن معارضتها لهذه لصياغة.[11] وذكرت الكاميرون، على سبيل المثال، أنه "سيكون من الصعب جداُ إثبات حصول المرتزق على مبالغ مفرطة".[12] وقد عارضت هولندا أيّ ذكر لحافز المرتزقة بشكل عام.[13] وتخلّت اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمناهضة المرتزقة عن شرط التعويض المادي "الذي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة أو ما يُدفع لهم".[14] غير أنّ هذا الشرط يرد في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المرتزقة.[15]
ومن بين كتيّبات الدليل العسكري التي تمّ جمعها للقيام بهذه الدراسة والتي تتضمّن تعريفاً بالمرتزقة، نصّت تسعة منها على التعريف الوارد في البروتوكول الإضافي الأول،[16] في حين تشير أربعة أخرى إلى الرغبة في تحقيق مغنم شخصي فقط,[17] كما تربط تشريعات 11 دولة من دول الاتحاد السوفيتي السابق المرتزقة برغبتهم في تحقيق مغنم شخصي دون أيّ شرط آخر.[18]
وفي ضوء ما تقدم، يمكن الاستنتاج أنّ القاعدة العرفية التي مفادها أنّ المرتزقة ليس لهم الحقّ في وضع المقاتل أو أسير الحرب، تنطبق فقط على الأشخاص الذين يستوفون الشروط المنصوص عليها في التعريف بالمرتزقة الوارد في المادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول.
وأخيراً، يجدر التذكير بأنّ أفراد القوات المسلحة لطرف في النزاع والذين ليسوا من رعاياه، ولا يستوفون الشروط الستة جميعاُ، والمذكورة في التعريف بالمرتزقة في المادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول، يتمتعون بوضع أسرى الحرب.[19] ومن الأهمية بمكان، الإشارة في هذا الشأن إلى أنّ الجنسية لسيت شرطاً لوضع أسير الحرب، وفقاُ لممارسة قديمة العهد وللمادة 4 من اتفاقية جنيف الثالثة.[20]
لا يجوز معاقبة شخص متهم بأنه مرتزق من دون محاكمة مسبقة. وفي المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين، شدّدت عدة دول على أنّ المرتزقة بالحماية الممنوحة في المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول، كما ذكرت بعض الدول أنها كانت تتمنى أن ترى إشارة واضحة إلى المادة 75 في الحكم المتعلق بالمرتزقة.[21] وقد ذكر مقرّر اللجنة الثالثة في المؤتمر الدبلوماسي أنّه بالرغم من عدم وجود إشارة واضحة في المادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول، كان مفهوماً أنّ المرتزقة هم من الجماعات التي يحقّ لها بالضمانات الأساسية المنصوص عليها في المادة 75.[22] وقد أعادت إيرلندا وهولندا التأكيد على هذه النقطة عند التصديق على البروتوكول الإضافي الأول.[23]
وتؤكد كتيّبات الدليل العسكري لكندا، وألمانيا، وكينيا، ونيوزيلندا، على أنّ المرتزقة يتمتعون بالحق في محاكمة عادلة.[24] ويتوافق هذا الأمر مع الضمانات الأساسية الواردة في الفصل 32، بما في ذلك الحقّ في محاكمة عادلة (انظر القاعدة 100) ويرد هذا أيضاً في البروتوكول الإضافي الأول، الذي ينصّ على أنّ الأشخاص الذين لا يتمتعون بوضع أسرى الحرب، ولا يفيدون من معاملة أفضل وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، يتمتعون بالضمانات الأساسية المنصوص عليها في المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول.[25] وبالتالي، فإنّ إعدام المرتزقة دون محاكمة أمر محظور.
ووفقاُ لهذه القاعدة، تعطى الحريّة للدول في منح وضع أسير الحرب للمرتزق أو حرمانه من هذا الوضع، غير أنّه لا يحقّ للمرتزق المطالبة بهذا الوضع كدفاع ضد الاتهام. وكما ذكر الأمين العام للأمم المتحدة في العام 1988، أنّ إيران ادّعت أنها ألقت القبض على رعايا دول أخرى وصفتهم بالمرتزقة، ولكنها أكدت أنها اختارت معاملتهم كأسرى الحرب الآخرين بدلاً من معاقبتهم.[26] كذلك يؤكد دليل قائد القوات الجوية التابعة للولايات المتحدة أنّ الولايات المتحدة لطالما اعتبرت المرتزقة عند وقوعهم في الأسر مقاتلين يتمتعون بوضع أسرى الحرب.[27] ويدلّ هذا الأمر على أنّ الدول حرة بمنح هذا الوضع. غير أنّ هذا الدليل يذكر أيضاً أن "حكومة الولايات المتحدة قد احتجّت دائماً وبشدّة على أيّة محاولة قامت بها دول أخرى لمعاقبة رعايا أمريكيين على أنهم مرتزقة".[28] ولا يقلل هذا التصريح من شأن هذه القاعدة، إذ كانت هذه الاحتجاجات تتعلق بأشخاص لم يستوفوا الشروط المتشددة المنصوص عليها في التعريف بالمرتزقة الوارد في المادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول، والتي تمّ اعتمادها بالإجماع.
لا يحقّ للمرتزقة الذين يشاركون في نزاع مسلح غير دولي بوضع أسير الحرب، إذ لا وجود للحقّ في هذا الوضع في هذه النزاعات.[29]
[1] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 47 (1) (تم اعتمادها بالإجماع) (المرجع نفسه، §270).
[2] OAU Convention against Mercenarism، المادة 3 (المرجع نفسه، §274)، (صدقت عليها 27 دولة من أصل 53 دولة عضو في المنظمة)؛ اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المرتزقة، المادتان 3 و16 (وبمقتضى اتفاقية الأمم المتحدة، المصدق عليها من قبل 28 دولة، تعتبر مشاركة المرتزق بشكل مباشر في العلميات العدائية جرماً، لكن الاتفاقية تنطبق من غير إجحاف بأحكام قانون النزاعات المسلحة المتعلقة بوضع المقاتل أو أسير الحرب).
[3] انظر، على سبيل المثال، الدليل العسكري للأرجنتين (المرجع نفسه، §277)، وأستراليا (المرجع نفسه، §277)، وبلجيكا (المرجع نفسه، §277)، والكاميرون (المرجع نفسه، §277)، وكندا (المرجع نفسه، §278)، وفرنسا (المرجع نفسه، §277)، وألمانيا (المرجع نفسه، § 279)، وإسرائيل (المرجع نفسه، §280)، وإيطاليا (المرجع نفسه، §277)، وكينيا (المرجع نفسه، §281)، وهولندا (المرجع نفسه، §277)، ونيوزيلندا (المرجع نفسه، §277 و282)، ونيجيريا (المرجع نفسه، §277 و284)، وإسبانيا (المرجع نفسه، §277 و285)، والسويد (المرجع نفسه، §277)، وسويسرا (المرجع نفسه، §277 و286)، والمملكة المتحدة (المرجع نفسه، §277)، والولايات المتحدة (المرجع نفسه، §287)، ويوغوسلافيا (المرجع نفسه، §277).
[4] إسرائيل، Manual on the Laws of War (المرجع نفسه، §280).
[5] انظر، على سبيل المثال، تشريعات أرمينيا (المرجع نفسه، §288)، وأذربيجان (المرجع نفسه، §288)، وبيلاروس (المرجع نفسه، §288)، وجورجيا (المرجع نفسه، §288)، وكازاخستان (المرجع نفسه، §288)، ومولدوفا (المرجع نفسه، §288)، وروسيا (المرجع نفسه، §288)، وطاجيسكتان (المرجع نفسه، §288)، وأوكرانيا (المرجع نفسه، §288)، وأوزبكستان (المرجع نفسه، §288)، وفيتنام (المرجع نفسه، §288).
[6] انظر، على سبيل المثال، بيانات الصين (المرجع نفسه، §295)، والعراق (المرجع نفسه، §301)، وإيطاليا (المرجع نفسه، §302)، ونيجيريا (المرجع نفسه، §307)، ويوغوسلافيا (المرجع نفسه، §316)، والممارسة الموثقة لإيران (المرجع نفسه، §319).
[7] انظر، على سبيل المثال، الدليل العسكري لإسرائيل (المرجع نفسه، §280)، وكينيا (المرجع نفسه، §281)، ونيجيريا (المرجع نفسه، §283)، والمملكة المتحدة (المرجع نفسه، §277)، وتشريعات أذربيجان (المرجع نفسه، §288)، وبيانات العراق (المرجع نفسه، §301)، ويوغوسلافيا (المرجع نفسه، §316)، والممارسة الموثقة لإيران (المرجع نفسه، §319).
[8] انظر الولايات المتحدة، Remarks of the Deputy Legal Adviser of the Depratment of State (المرجع نفسه، §314).
[9] انظر الولايات المتحدة، Air Force Commander’s Handbook (المرجع نفسه، §242).
[10] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 47 (2) (تم اعتمادها بالإجماع) (المرجع نفسه، §323).
[11] انظر البيانات التي سجلت في المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين من قبل أفغانستان (المرجع نفسه، §255)، والكاميرون (المرجع نفسه، §256)، وكوبا (المرجع نفسه، §257)، وموريتانيا (المرجع نفسه، §258)، ونيجيريا (المرجع نفسه، §260)، وزائير (المرجع نفسه، §263).
[12] الكاميرون، بيان في المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين (المرجع نفسه، §256).
[13] هولندا، بيان في المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين (المرجع نفسه، §259).
[14] انظر تعريف المرتزق الوارد في اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمناهضة المرتزقة OAU Convention against Mercenarism، المادة 1 (المرجع نفسه، §234).
[15] اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المرتزقة، المادة 1 (المرجع نفسه، §235).
[16] انظر الدليل العسكري للأرجنتين، وأستراليا، وبلجيكا، وكندا، وفرنسا، وهولندا، ونيوزيلندا، وإسبانيا، ويوغوسلافيا (المرجع نفسه، §237).
[17] انظر الدليل العسكري للكاميرون (المرجع نفسه، §238)، وألمانيا (المرجع نفسه، §239)، وكينيا (المرجع نفسه، §240)، والمملكة المتحدة (المرجع نفسه، §241).
[18] انظر التشريعات أرمينيا (المرجع نفسه، §243)، وأذربيجان (المرجع نفسه، §244)، وبيلاروس (المرجع نفسه، §245)، وجورجيا (المرجع نفسه، §246)، وكازاخستان (المرجع نفسه، §247)، وكيرغيزستان (المرجع نفسه، §248)، ومولدوفا (المرجع نفسه، §249)، وروسيا (المرجع نفسه، §250)، وطاجيكستان (المرجع نفسه، §251)، وأوكرانيا (المرجع نفسه، §252)، وأوزبكستان (المرجع نفسه، §253).
[19] انظر لائحة لاهاي للعام (V) 1907، المادة 17.
[20] انظر اتفاقية جنيف الثالثة، المادة 4.
[21] انظر البيانات التي سجلت في المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين من قبل أستراليا (المرجع نفسه، §292)، وكندا (المرجع نفسه، §294)، وكولومبيا (المرجع نفسه، §296)، وقبرص (المرجع نفسه، §267)، والكرسي الرسولي (المرجع نفسه، §299)، والهند (المرجع نفسه، §300)، وإيطاليا (المرجع نفسه، §302)، والمكسيك (المرجع نفسه، §304)، وهولندا (المرجع نفسه، §305)، ونيجيريا (المرجع نفسه، §307)، والبرتغال (المرجع نفسه، §308)، والسويد (المرجع نفسه، §311)، وسويسرا (المرجع نفسه، §312).
[22] المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين، بيان مقرر اللجنة الثالثة (المرجع نفسه، §321).
[23] إيرلندا، إعلانات وتحفظات سجلت عند التصديق على البروتوكول الإضافي الأول (المرجع نفسه، §272)؛ هولندا، إعلانات سجلت عند التصديق على البروتوكول الإضافي الأول (المرجع نفسه، §273).
[24] كندا، LOAC Manual (المرجع نفسه، §278)؛ ألمانيا، Military Manual (المرجع نفسه، §279)؛ كينيا، LOAC Manual (المرجع نفسه، §281)؛ نيوزيلندا، Military Manual (المرجع نفسه، §282).
[25] البروتوكول الإضافي الأول، المادة 45 (3) (تم اعتمادها بالإجماع) (المرجع نفسه، §271).
[26] انظر أمين عام الأمم المتحدة، تقرير المهمة التي قام بها الأمين العام بشأن وضع أسرى الحرب في جمهورية إيران الإسلامية والعراق (المرجع نفسه، §319).
[27] الولايات المتحدة، Air Force Commander’s Handbook (المرجع نفسه، §287).
[28] الولايات المتحدة، Ar Force Commander’s Handnook (المرجع نفسه، §287).
[29] انظر، على سبيل المثال، الولايات المتحدة، Memorandum on International Legal Rights of Captured Mercenaries (المرجع نفسه، §313).