مقدمة

تعود أصول القانون الدولي الإنساني إلى الممارسات العرفية للجيوش التي تطورت على مرّ العصور وفي جميع القارات. ولم يكن هذا القسم من القانون الدولي الذي يُعرف عادة بـِ"قوانين وأعراف الحرب"، يُطبّق من قبل جميع الجيوش، كما لم يكن يُطبّق بالضرورة تجاه كلّ الأعداء، ولم تكن القواعد المطبّقة هي نفسها. غير أنّ النموذج الذي كان معتمداً، والقائم في الأصل على مفهوم شرف الجندي، قد اقتصر على ضبط السلوك تجاه المقاتلين والمدنيين. وكان مضمون القواعد يشتمل عموماً على حظر السلوك الذي كان يُعتبر قاسياً أو شائناً ولا ضرورة له، وهو مضمون لم يتطور من قبل الجيوش وحدها، بل كان لكتابات القادة الروحيين الأثر الكبير فيه.
أما العلامة الفارقة والأبرز في ما يخصّ تصنيف هذه الأعراف في وثيقة واحدة، فكانت في وضع الأستاذ "فرانسيس ليبر" تعليمات لتوجيه جيوش الولايات المتحدة في الميدان، والتي وضعت موضع التنفيذ بأمر عام رقم 100، من الرئيس لنكولن، في العام 1863، خلال الحرب الأهلية الأمريكية. وأثرت مدوّنة ليبر، كما تعرف اليوم، وبقوة في تدوين قوانين الحرب وأعرافها، وفي اعتماد دول أخرى للوائح مشابهة. وشكّلت هذه القواعد معاً الأساس لمشروع اتفاقية دولية بشأن قوانين وأعراف الحرب رُفعت إلى مؤتمر بروكسيل في العام 1874. وبالرغم من عدم اعتماد هذا المؤتمر لمعاهدة ملزمة، فقد جرى استخدام قسم كبير من أعماله في ما بعد في وضع اتفاقيات ولوائح لاهاي في العامين 1899 و1907. ومع أنّ هذه المعاهدات لم تدوّن كافة نواحي العرف، فقد أعيد التأكيد على أهميتها المستمرة في ما يُعرف بـ"شرط مارتينز"، الذي أدرج للمرة الأولى في ديباجة اتفاقية لاهاي الثانية للعام 1899، والذي ينصّ على ما يلي:
وإلى أن يحين استصدار مدوّنة كاملة لقوانين الحرب، ترى الأطراف السامية المتعاقدة من المناسب أن تعلن أنّ في الحالات غير المشمولة بالأحكام التي اعتمدتها، يظل السكان والمتحاربون تحت حماية وسلطان مبادئ القانون الدولي، كما جاءت من التقاليد التي سادت بين الشعوب المتمدنة وقوانين الإنسانية ومقتضيات الضمير العام.
وتتجلى الأهمية الخاصة بالقانون العرفي بشكل واضح، بالرغم من تدوينه الجزئي، أو بسبب ذلك، في اعتماد هذا القانون في مختلف محاكمات جرائم الحرب بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.[1]
وتعتبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تأسست في العام 1863، القوة المحركة لتطور القانون الدولي الإنساني. فقد أطلقت اللجنة الدولية العملية التي أدّت إلى عقد اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب للعام 1864، و1906، و1929، و1949. وكانت هذه اللجنة وراء وضع اتفاقية لاهاي الثالثة للعام 1899، واتفاقية لاهاي العاشرة للعام 1907 اللتين أفادتا، وعلى التوالي، من اتفاقيتي جنيف للعامين 1864 و1906 لوضع قواعد الحرب البحرية، واللتين مهّدتا السبيل لاتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من أفراد القوات المسلحة في البحار للعام 1949. كما قامت اللجنة الدولية بمبادرة من أجل تكملة اتفاقيات جنيف أدّت إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين للعام 1977. كذلك شجعت اللجنة الدولية على تطوير القانون، وشاركت في المفاوضات حول العديد من المعاهدات الأخرى، كاتفاقية العام 1980 بشأن أسلحة تقليدية معيّنة، واتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد للعام 1997، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998. وينعكس الإقرار بهذا الدور في التفويض الذي أوكله المجتمع الدولي إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر للعمل من أجل "التطبيق الأمين للقانون الدولي الإنساني المنطبق في النزاعات المسلحة" و"فهم القانون الدولي الإنساني المنطبق في النزاعات المسلحة ونشر المعرفة به، وإعداد أيّ تطوير لهذا القانون".[2]
لقد مرّ أكثر من 50 عاماً على اعتماد اتفاقيات جنيف للعام 1949 ونحو 30 عاماً على اعتماد البروتوكولين الإضافيين الملحقين باتفاقيات جنيف. وللأسف، فقد اتسمت هذه الأعوام بانتشار النزاعات المسلحة التي أثرت على جميع القارات. وخلال هذه النزاعات، وفرت اتفاقيات جنيف- وبخاصة المادة الثالثة المشتركة في الاتفاقيات الأربع، المنطبقة في النزاعات المسلحة غير الدولية- بالإضافة إلى بروتوكوليها الإضافيين، الحماية القانونية لضحايا الحرب، وخاصة الأشخاص الذين لا يشتركون في العمليات العدائية أو الذين توقفوا عن المشاركة فيها (الجرحى، والمرضى، والغرقى، والأشخاص المحرومين من حريتهم لأسباب تتعلق بالنزاع، والمدنيين). وبالرغم من ذلك، فقد حدثت انتهاكات لا تعدّ ولا تحصى لهذه المعاهدات وللمبادئ الإنسانية الأساسية، الأمر الذي أدى إلى معاناة ووفيّات كان بالإمكان تفاديها لو تمّ احترام القانون الدولي الإنساني. والرأي السائد يرى بأنّ انتهاكات القانون الدولي الإنساني لا تعود إلى عدم ملاءمة قواعد هذا القانون، بل إلى نقص في الإرادة باحترامها، ونقص في وسائل إنفاذها، والشك حول ضرورة تطبيقها في بعض الحالات، وكذلك إلى جهل بهذه القواعد من قبل القادة السياسيين، والقادة العسكريين، والمقاتلين، وعامة الشعب.
وقد ناقش المؤتمر الدولي لحماية ضحايا الحرب، الذي عقد في جنيف من 30 أغسطس/ آب إلى 1 سبتمبر/ أيلول 1993، وبشكل خاص، سبل ووسائل معالجة انتهاكات القانون الدولي الإنساني، لكنه لم يقترح اعتماد أحكام تعاهدية جديدة. وبدلاً من ذلك، أعاد المؤتمر التأكيد، في بيانه الختامي الذي تم اعتماده بالإجماع، على "ضرورة جعل تنفيذ القانون الدولي الإنساني أكثر فعالية"، وطلب إلى الحكومة السويسرية "دعوة مجموعة خبراء حكوميين لاجتماع مفتوح لدراسة وسائل عملية للترويج للاحترام الكامل والامتثال لهذا القانون، وإعداد تقرير لرفعه للدول الأطراف وللدورة القادمة للمؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر".[3]
ولهذه الغاية، عقدت مجموعة الخبراء الحكوميين لحماية ضحايا الحرب اجتماعاً في جنيف في يناير/ كانون الثاني 1995، واعتمدت سلسلة من التوصيات الهادفة إلى تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص عبر استخدام إجراءات وقائية تؤمّن معرفة أفضل بالقانون، وتنفيذاً أكثر فعالية له. واقترحت التوصية الثانية لمجموعة الخبراء الحكوميين:
دعوة اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى إعداد تقرير بشأن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني المنطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وذلك بمساعدة خبراء في القانون الدولي الإنساني يمثلون شتى المناطق الجغرافية والأنظمة القانونية المختلفة، وبمشاورات مع خبراء من حكومات ومنظمات دولية؛ وتعميم هذا التقرير على الدول والهيئات الدولية المختصة.[4]
وفي ديسمبر/ كانون الأول 1995، وافق المؤتمر الدولي السادس والعشرون للصليب الأحمر والهلال الأحمر على هذه التوصية، وفوّض اللجنة الدولية للصليب الأحمر رسمياً إعداد تقرير بشأن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني المنطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.[5] وجاءت هذه الدراسة نتيجة البحث الذي قامت به تبعاً لهذا التفويض.
القانون الدولي الإنساني التعاهدي قانون متطور بشكل جيد، يغطي جوانب كثيرة ومتنوعة من الحرب، ويمنح الحماية لضحايا النزاعات المسلحة، ويضع حدوداً للوسائل والأساليب المسموح بها في الحرب. وتوفر اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان للعام 1977، نظاماً شاملاً لحماية الأشخاص الذين لا يشتركون في النزاع المسلح أو الذين يتوقفون عن المشاركة فيه. ويعود تنظيم وسائل وأساليب الحرب في قانون المعاهدات إلى إعلان سان بطرسبورغ للعام 1868، واتفاقيات لاهاي للعام 1899 والعام 1907، وبروتوكول جنيف للعام 1925 بشأن الغازات. ويرد هذا التنظيم أيضاً في اتفاقية العام 1972 بشأن الأسلحة البيولوجية، والبروتوكولين الإضافيين للعام 1977، واتفاقية العام 1980 بشأن أسلحة تقليدية معيّنة وبروتوكولاتها الخمسة، واتفاقية العام 1993 بشأن الأسلحة الكيميائية، واتفاقية أوتاوا للعام 1997 لحظر الألغام المضادة للأفراد. كما يرد تنظيم حماية الممتلكات الثقافية في أثناء النزاعات المسلحة، وبإسهاب، في اتفاقية لاهاي للعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية وبروتوكوليها. كما يتضمّن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي تم اعتماده في العام 1998 لائحة بجرائم الحرب التي تخضع لاختصاص المحكمة.
ومع ذلك، هناك عائقان خطيران أمام تطبيق هذه المعاهدات في النزاعات المسلحة الحالية. أولاً: تنطبق المعاهدات على الدول التي صدّقت عليها فقط. وهذا يعني أن تطبيق مختلف معاهدات القانون الدولي الإنساني في مختلف النزاعات المسلحة يتوقف على تصديق الدول المعنيّة بالنزاع على هذه المعاهدات. وفي حين صدّقت جميع الدول تقريباً على اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، لم ينل البروتوكول الإضافي الأول انضماماً عالمياً حتى الآن. وبما أنّ البروتوكول ينطبق فقط على أطراف النزاع التي صدّقت عليه، فإنّ فعاليته محدودة في الوقت الحاضر لأنّ عدداً من الدول التي اشتركت في نزاعات مسلحة دولية ليست أطرافاً فيه. وكذلك، ينطبق البروتوكول الإضافي الثاني فقط في النزاعات المسلحة التي تقع في إقليم دولة صدّقت عليه. وفي حين صدّق نحو 150 دولة على هذا البروتوكول، لم تصدّق عليه عدّة دول تدور على أراضيها نزاعات مسلحة غير دولية. وفي هذه النزاعات المسلحة غير الدولية، غالباً ما تبقى المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع الحكم التعاهدي الوحيد المنطبق عليها.
ثانياً: إن هذه الوفرة في قوانين المعاهدات لا تنظّم قسماً كبيراً من النزاعات المسلحة المعاصرة بتفاصيل كافية. ويعود السبب الأساسي لهذا الأمر في أنّ معظم النزاعات المسلحة الحالية هي نزاعات غير دولية، وتخضع لعدد من قواعد المعاهدات أقل بكثير من القواعد التي تحكم النزاعات الدولية، بالرغم من تزايد عددها. وفي الحقيقة، لا ينطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية إلاّ عدد محدود من المعاهدات، وهي: الاتفاقية بشأن أسلحة تقليدية معيّنة بعد التعديل الذي أدخل عليها، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد، والاتفاقية الخاصة بالأسلحة الكيميائية، واتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية وبروتوكولها الثاني، وكما ذكر آنفاً البروتوكول الإضافي الثاني، والمادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع. ومع أنّ للمادة الثالثة المشتركة أهمية أساسية، غير أنها توفر فقط إطاراً أولياً لحد أدنى من المعايير ولا تتضمّن الكثير من التفاصيل. ويكمّل البروتوكول الإضافي الثاني المادة الثالثة المشتركة بشكل مفيد، لكنه لا يزال أقلّ تفصيلاً من القواعد التي تحكم النزاعات المسلحة الدولية التي يتضمّنها البروتوكول الإضافي الأول.
ويتضمّن البروتوكول الإضافي الثاني 15 مادة موضوعية فقط، في حين يتضمّن البروتوكول الإضافي الأول أكثر من 80 مادة. ومن الممكن ألّا تشكّل هذه الأرقام أهمية كبرى، لكنها تدلّ على تفاوت بارز في ما يخصّ التنظيم الذي يوفره قانون المعاهدات بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وتظهر أنّ تنظيم النزاعات المسلحة غير الدولية يعاني من نقص في القواعد، والتعريفات، والتفاصيل، والشروط. وهذا هو الوضع السائد، رغم أنّ معظم النزاعات المسلحة الحالية ذات طابع غير دولي.
ويتضمّن البروتوكول الإضافي الثاني، بشكل خاص، تنظيماً بدائياً جداً لسير العمليات العدائية. وتنصّ المادة 13 منه على أنه "لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا، ولا الأشخاص المدنيون محلاً للهجوم.. ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية، وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور". وخلافاً للبروتوكول الإضافي الأول، لا يتضمّن البروتوكول الإضافي الثاني قواعد وتعاريف محددة تتعلق بمبادئ التمييز والتناسب.
ويفترض المنطق أن تكون هذه القواعد، وما تفرضه من ضوابط على طريقة خوض الحرب، منطبقة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء. ويشكّل تعديل الاتفاقية بشأن أسلحة تقليدية معيّنة في العام 2001 لتوسيع نطاقها لتشمل النزاعات المسلحة غير الدولية إشارة إلى أنّ هذه الفكرة تلقى رواجاً في المجتمع الدولي.
وتوفر هذه الدراسة دليلاً على أنّ الكثير من قواعد القانون الدولي العرفي تنطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء، وتبيّن المدى الذي وصلت إليه ممارسة الدول في الذهاب أبعد من قانون المعاهدات القائم، وفي توسيع القواعد المنطبقة في النزاعات المسلحة غير الدولية. وبخاصة سدّت ممارسة الدول إلى حد كبير الثغرات الموجودة في تنظيم سير العمليات العدائية في البروتوكول الإضافي الثاني، الأمر الذي أدى إلى وضع قواعد موازية لتلك الموجودة في البروتوكول الإضافي الأول، لكنها تنطبق كقانون عرفي في النزاعات المسلحة غير الدولية.
ولذلك، فإنّ معرفة قواعد القانون الدولي العرفي مفيدة لكل الأطراف المعنية بتطبيق، ونشر، وإنفاذ القانون الدولي الإنساني، كالسلطات الحكومية، وحملة السلاح، والمنظمات الدولية، ومكوّنات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، والمنظمات غير الحكومية. كذلك، يمكن أن تكون الدراسة بشأن القانون الدولي الإنساني العرفي مفيدة أيضاً في تقليص الشكوك ونطاق الجدل الملازمين لمفهوم القانون الدولي العرفي.
كما يمكن أن تكون معرفة قواعد القانون الدولي العرفي مفيدة أيضاً في عدد من الحالات حيث يكون الاعتماد على القانون الدولي العرفي ضرورياً. ويتعلق هذا الأمر بشكل خاص بعمل المحاكم والمنظمات الدولية. وبالفعل، كثيراً ما ترى المحاكم ضرورة تطبيق القانون الدولي العرفي. وعلى سبيل المثال، فهذه حال المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، التي لها وفقاً للمادة الثالثة من نظامها الأساسي، اختصاص يتعلق بانتهاكات قوانين وأعراف الحرب. ونتيجة لذلك، كان على هذه المحكمة أن تحدّد ما إذا كانت انتهاكات معيّنة للقانون الدولي الإنساني تشكّل انتهاكات بمقتضى القانون الدولي العرفي يشملها اختصاص المحكمة. وبالإضافة إلى ذلك، يُعتبر القانون الدولي العرفي في الكثير من الدول مصدراً للقانون المحلي، ويمكن الاستشهاد به، أو إصدار الحكم بناء عليه من قبل المحاكم الوطنية. كما أنّ القانون الدولي العرفي مهم أيضاً في عمل المنظمات الدولية، إذ يمثل بشكل عام القانون الملزم لكافة الدول الأعضاء.
لم تسعَ هذه الدراسة إلى تحديد الطبيعة العرفية لكلّ قاعدة من قواعد المعاهدات في القانون الدولي الإنساني، ونتيجة لذلك، لا تتّبع بالضرورة بنية المعاهدات الموجودة. ولكنها سعت إلى تحليل بعض المسائل من أجل تحديد قواعد القانون الدولي العرفي التي يمكن العثور عليها بالاستقراء على أساس ممارسة الدول المتعلقة بهذه المسائل. وبما أن النهج المتبع لا يحلل كلّ حكم من أحكام المعاهدات بغية تحديد ما إذا كان حكماً عرفياً أم لا، فلا يمكن الاستنتاج أنّ أية قاعدة معيّنة من قواعد المعاهدات ليست عرفية لمجرّد أنها لا تظهر كذلك في هذه الدراسة. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنّ الغالبية العظمى من أحكام اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، بما فيها المادة الثالثة المشتركة، تعتبر قواعد عرفية، ويصحّ هذا الأمر أيضاً على لائحة لاهاي للعام 1907 (انظر أدناه). ومن ناحية أخرى، بما أنّ 192 دولة قد صدّقت على اتفاقيات جنيف في يومنا هذا، فإنّ هذه الاتفاقيات ملزمة لكافة الدول تقريباً باعتبارها جزءاً من قانون المعاهدات. وقد تمّ الاتفاق على عدم البحث في القانون العرفي المنطبق في الحرب البحرية، إذ إنّ هذا القسم من القانون كان منذ فترة قريبة موضع إعادة صياغة هامة في دليل سان ريمو بشأن الحروب البحرية.[6] غير أنّ القواعد العامة الموجودة في الدليل اعتبرت مفيدة لتقييم الطبيعة العرفية للقواعد التي تنطبق على كافة أشكال الحروب. ولم تتمكن الدراسة من التوسع في بعض المواضيع بتفاصيل كافية لإدراجها في هذه الطبعة، لكن يبقى من الممكن إدراجها في النسخة التالية. وتتضمّن هذه المواضيع، على سبيل المثال، شرط مارتينز، وتعريف هوية أشخاص وأعيان تشملها حماية خاصة، والدفاع المدني.
وتضمّنت الدراسة، حيثما كان ذلك مناسباً، الممارسة بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتمّ هذا الأمر لأنّ القانون الدولي لحقوق الإنسان يستمر تطبيقه خلال النزاعات المسلحة، كما تشير معاهدات حقوق الإنسان ذاتها، وبعبارات واضحة، مع أنّ من الممكن استثناء بعض الأحكام، وبشروط معيّنة، في فترات الطوارئ العامة. وقد جرى التأكيد على استمرارية انطباق قانون حقوق الإنسان في أثناء النزاعات المسلحة، في مناسبات عديدة، من قبل الهيئات المنشأة بموجب معاهدات، والتي قامت بتحليل سلوك الدول، بما في ذلك السلوك خلال النزاعات المسلحة، ومن قبل محكمة العدل الدولية (انظر مقدمة الفصل 32). غير أنّ هذه الدراسة لا تدّعي أنها توفر تقييماً لقانون حقوق الإنسان العرفي. وعوضاً عن ذلك، تمّ إدراج قانون حقوق الإنسان بغية دعم، وتقوية، وتوضيح المبادئ المماثلة في القانون الدولي الإنساني. وبالإضافة إلى ذلك، لطالما أثّر قانون حقوق الإنسان بالقانون الدولي الإنساني وتأثر به بشكل مباشر، ولا يزال، رغم كونهما فرعين منفصلين من القانون الدولي، وذلك لثلاثة أسباب أساسية. أولاً: إنّ تقييم الامتثال لقانون حقوق الإنسان في بعض الأحيان يتضمّن تقييماً لاحترام القانون الدولي الإنساني أو خرقه. وعلى سبيل المثال، تعتبر الإجراءات التي تتخذ في حالات الطوارئ غير شرعية بمقتضى قانون حقوق الإنسان، في حال كانت، من بين أمور أخرى، تنتهك القانون الدولي الإنساني.[7] وبالمقابل، يتضمّن القانون الدولي الإنساني مفاهيم يقتضي تفسيرها أن تتضمّن إسناداً من قانون حقوق الإنسان. وعلى سبيل المثال، الحكم الذي مفاده أن لا أحد يمكن أن يدان بجريمة إلّا من قبل "محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة".[8] ثانياً: توجد أحكام من نمط حقوق الإنسان في القانون الدولي الإنساني، وعلى سبيل المثال، المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول، والمادتان 4 و6 من البروتوكول الإضافي الثاني. كذلك توجد أحكام من نمط القانون الإنساني في قانون حقوق الإنسان، وعلى سبيل المثال، المواد المتعلقة بالجنود الأطفال الواردة في اتفاقية حقوق الطفل، وبروتوكولها المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة. ثالثاً: والأهم، توجد ممارسة واسعة للدول والمنظمات الدولية في التعليق على سلوك الدول في أثناء النزاعات المسلحة في ضوء قانون حقوق الإنسان.[9]
يصف النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية القانون الدولي العرفي على أنه "ممارسة عامة مقبولة كقانون".[10] ومن المتفق عليه عامة أنّ وجود قاعدة في القانون الدولي العرفي يتطلب توفر عاملين هما ممارسة الدول (الاستخدام usus) والاعتقاد بأنّ مثل هذه الممارسة مطلوبة، أو محظورة أو مسموح بها، تبعاً لطبيعة القاعدة، كمسألة قانونية (الاعتقاد القانوني الضروري opinio juris sive necessitatis). وكما ذكرت محكمة العدل الدولية في قضية الرصيف القاري: "من البديهي أن يبحث عن مادة القانون الدولي العرفي في المقام الأول في الممارسة الحقيقية والاعتقاد القانوني opinio juris للدول".[11] وقد تناولت كتابات أكاديمية كثيرة معنى هذين العنصرين وفحواهما الدقيقين. أما النهج الذي اتبع في هذه الدراسة لتحديد ما إذا كانت قاعدة ما من القانون الدولي العرفي موجودة فهو نهج تقليدي، وضعته محكمة العدل الدولية في عدد من القضايا، ولا سيما في قضايا الرصيف القاري لبحر الشمال North Sea Continental Shelf cases.[12]
ممارسة الدول
يجب معالجة مسألتين منفصلتين عند تقييم ممارسة الدول هما: اختيار الممارسة التي تسهم في نشوء القانون الدولي العرفي، وتقييم ما إذا كانت هذه الممارسة تكرّس قاعدة في القانون الدولي العرفي.
اختيار ممارسات الدول
تمّ اختيار الممارسات لغرض هذه الدراسة، والملخصة في المجلد الثاني، على أساس المعايير التالية:
(1) تشكّل الأفعال المادية واللفظية للدول ممارسة تسهم في نشوء القانون الدولي العرفي. وتشمل الأفعال المادية، على سبيل المثال، السلوك في ساحة المعركة، واستخدام أسلحة معيّنة، ومعاملة مختلف فئات الأشخاص. أما الأفعال اللفظية فتشمل كتيّبات الدليل العسكري، والتشريعات الوطنية، والسوابق القضائية الوطنية، والتعليمات المعطاة للقوات المسلحة وقوات الأمن، والبيانات العسكرية الصادرة في أثناء الحرب، والاحتجاجات الدبلوماسية، وآراء المستشارين القانونيين الرسميين، وتعليقات الحكومات على مشاريع المعاهدات، والقرارات واللوائح التنفيذية، والمرافعات أمام المحاكم الدولية، والتصريحات في المنظمات الدولية وفي المؤتمرات الدولية، ومواقف الحكومات المتعلقة بالقرارات الصادرة عن المنظمات الدولية.
إنّ نهج اعتبار الأفعال المادية واللفظية على أنها ممارسة، يتبع النهج الذي تتبعه الهيئات القيادية في حقل القانون الدولي، وتتبعه أيضاً الدول نفسها. وقد صنفت محكمة العدل الدولية البيانات الرسمية على أنها ممارسة دول في عدد من القضايا، بما فيها قضايا Fisheries Jurisdiction cases،[13] وقضية Nicaragua case،[14] وقضية Gabčíkovo-Nagymaros Project case.[15]
واعتبرت لجنة القانون الدولي بصورة مماثلة أنّ الأفعال اللفظية للدول تسهم في نشوء القانون الدولي العرفي. وطبّقت هذا الأمر، على سبيل المثال، في سياق مشاريع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً عندما اعتبرت مفهوم "حالة الضرورة" مفهوماً عرفياً.[16]
كما ذكرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أنّ في إطار تقييم تكوين القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، "يجب الاعتماد في الأساس على عناصر كالبيانات الرسمية للدول، وكتيّبات الدليل العسكري، والقرارات القضائية".[17]
وتعتبر جمعية القانون الدولي أن "ممارسة الدول لا تقتصر على الأفعال المادية، بل تشمل أيضاً الأفعال اللفظية"، وتشير إلى أن "ممارسة المحاكم الدولية زاخرة بأمثلة عن أفعال لفظية تعاملت معها كأمثلة عن الممارسة. كذلك، تتعامل الدول باطراد مع هذا النوع من الأفعال بالطريقة نفسها".[18]
وتتكوّن الممارسة ذات الصلة، سواء أكانت مادية أم لفظية، من الممارسة الرسمية فقط. إذ إنّ الأفعال المادية لأطراف النزاعات المسلحة لا تسهم في نشوء قواعد القانون الدولي العرفي إلّا إذا كانت تمثل ممارسة رسمية.
كما يشار إلى الامتناع عن سلوك معيّن إذا كان سلوكاً ذا صلة بالموضوع. وسيناقش مثل هذا الامتناع بشكل موسّع لاحقاً.
(2) يمكن أن تسهم ممارسة الهيئات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية لدولة ما في تكوين القانون الدولي العرفي. وتشمل الدولة هنا القطاعات التنفيذية والتشريعية والقضائية للحكومة. ويمكن لأجهزة هذه القطاعات أن ترهن المسؤولية الدولية للدولة، وتعتمد مواقف تؤثر في علاقاتها الدولية.[19] وفي حالة التناقض ما بين مواقف مختلف أجهزة الدولة، تعتبر الممارسة متعارضة داخلياً ولا تسهم في تكوين القانون العرفي.
(3) لا تسهم الأفعال في تكوين القانون الدولي العرفي إن لم تكشف أبداً.[20] وتبقى الحال على هذا النحو ما دامت هذه الأفعال غير معروفة لدول أخرى، وبالتالي لا تتيح لها فرصة الرد عليها، في حال رغبت بذلك. ومن أجل أن تؤخذ بعين الاعتبار، يجب أن تكون الممارسة علنية أو معلنة إلى حدّ ما. وهذا لا يعني بالضرورة أن تنشر الممارسة أو تعلن في العالم بأسره، ولكن على الأقل أن تبلّغ إلى دولة أخرى أو إلى منظمة دولية ذات صلة، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتتواصل الدول مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سياق التفويض الدولي الموكل إلى اللجنة للمساعدة في تنفيذ القانون الدولي الإنساني، ولأنّ اللجنة الدولية يمكنها أن "تتلقى شكاوى قائمة على انتهاكات مزعومة [للقانون الدولي الإنساني].[21] ولذا، لا يُعتبر إبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي غالباً ما يكون سرياً، من الأفعال الخاصة غير الرسمية بل يُعدّ ممارسة دول.
(4) مع أنّ قرارات المحاكم الدولية هي مصادر فرعية للقانون الدولي،[22] إلا أنها لا تشكّل ممارسة دولة. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ المحاكم الدولية ليست مؤسسات للدول كالمحاكم الوطنية. مع ذلك، تضمّنت الدراسة قرارات لمحاكم دولية، لأنّ صدور قرار عن محكمة دولية يعترف بوجود قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، يشكّل دليلاً مقنعاً بذلك. وبالإضافة إلى ذلك، ونظراً لقيمة قرارات المحاكم الدولية كسوابق قضائية، يمكن للمحاكم الدولية أن تسهم أيضاً في نشوء قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، وذلك عبر التأثير في الممارسة اللاحقة للدول وللمنظمات الدولية. غير أنّ من الواضع أنّ كلّ ما تدّعي به الدول أمام المحاكم الدولية هو شكل من أشكال ممارسة الدول.
(5) تتمتع المنظمات الدولية بشخصية قانونية دولية، ويمكنها المشاركة في العلاقات الدولية بأهليتها الخاصة، وبشكل مستقل عن الدول الأعضاء فيها. وفي هذا الخصوص، يمكن أن تسهم ممارستها في تكوين القانون الدولي العرفي.[23] لذا، أدرجت هذه الدراسة، على سبيل المثال، نشرة الأمين العام للأمم المتحدة بشأن امتثال قوات الأمم المتحدة للقانون الدولي الإنساني على أنها ممارسة ذات صلة، وبخاصة لأن "تعليمات النشرة تعكس المبادئ النموذجية والأساسية لقوانين وأعراف الحرب"، مع أنّ من المعروف أن "الأمين العام لا يعتبر نفسه مقيّداً بالضرورة بأحكام القانون الدولي العرفي الواردة في الاتفاقيات والبروتوكولات باعتبارها القاسم المشترك الأدنى الذي يجب أن تلتزم به كافة الفرق الوطنية".[24] وبالإضافة إلى ذلك، تمّ إدراج البيانات الرسمية للجنة الدولية للصليب الأحمر، وعلى الأخص النداءات والمذكرات المتعلقة باحترام القانون الدولي الإنساني، على أنها ممارسة ذات صلة، نظراً لتمتع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشخصية قانونية دولية.[25] وتعتبر ممارسة المنظمة ذات صلة، وبخاصة لأنّ الدول أوكلت إليها تفويضاً رسمياً يقضي "بالعمل على التطبيق الأمين للقانون الدولي الإنساني المنطبق في النزاعات المسلحة، و... إعداد أيّ تطوير له".[26] وقد اعتمدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة فكرة أخذ ممارسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بعين الاعتبار، فاعتبرت أن ممارسة المنظمة عامل أساسي في نشوء قواعد عرفية تنطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية.[27] وبالإضافة إلى ذلك، تعتبر ردّات الأفعال الرسمية التي تثيرها بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر ممارسة دول.
(6) تعتبر المفاوضات بشأن القرارات واعتمادها من قبل المنظمات الدولية أو المؤتمرات الدولية، إضافةً إلى التفسيرات المصاحبة للتصويت، أفعالاً للدول المعنية. وفي ما عدا استثناءات قليلة، من المعروف أنّ القرارات في العادة ليست ملزمة بحد ذاتها، وبناء عليه تتوقف القيمة الممنوحة لأيّ قرار على مضمونه، ومدى قبوله، وتوافق ممارسة الدولة خارجه.[28] وكلما كان الدعم للقرار كبيراً، كلما ازدادت الأهمية الممنوحة له. وبناءً عليه، تشير هذه الدراسة إلى المعلومات عن أسباب الامتناع أو التصويت السلبي، حيث يكون ذلك مناسباً، إذ إنّ هذا النوع من التصويت يقوم غالباً على عدم الموافقة على أقسام معيّنة من القرار، وليس بالضرورة على القرار بأكمله. وكذلك، تشكّل تصريحات الدول خلال المناقشات حول صياغة القرارات ممارسة دولة، ولذا تمّ إدراجها حيثما كان ذلك مناسباً.
(7) إنّ ممارسة جماعات المعارضة المسلحة، مثل قواعد السلوك والالتزامات بشأن الامتثال لقواعد معيّنة من القانون الدولي الإنساني والبيانات الأخرى لا تشكّل بحد ذاتها ممارسات دول. وفي حين يمكن أن تتضمّن هذه الممارسة دليلاً على قبول قواعد معيّنة في النزاعات المسلحة غير الدولية، فإنّ أهميتها القانونية غير واضحة ولهذا السبب أدرجت تحت عنوان "ممارسات أخرى" في المجلد الثاني.
تقييم ممارسة الدول
يجب تقدير ممارسة الدول لتقييم ما إذا كانت "كثيفة" بما يكفي لتكوين قاعدة في القانون الدولي العرفي.[29] فمن أجل تكريس قاعدة في القانون الدولي العرفي، يتعيّن أن تكون ممارسة الدول منتظمة ومنتشرة وتمثيلية فعلاً. ومع أنّ من المفترض انقضاء بعض الوقت قبل أن تتراكم ممارسة كافية تفي بهذه المعايير، فليس هناك من مهلة زمنية محددة لذلك. وكما ذكرت محكمة العدل الدولية في قضايا الرصيف القاري لبحر الشمال:
مع أنّ مرور فترة زمنية قصيرة فقط لا يشكّل بالضرورة، أو بحد ذاته، عائقاً أمام تكوين قاعدة جديدة في القانون الدولي العرفي على أساس ما كان بالأصل مجرد قاعدة تقليدية، يجب احترام شرط لا غنى عنه خلال هذه الفترة الزمنية المعنية، وحتى لو كانت قصيرة، يتمثل في أن تكون ممارسة الدول، بما فيها ممارسة الدول التي تأثرت مصالحها بشكل خاص، منتشرة ومنتظمة فعلاً في ما يتعلق بالقاعدة المعنية؛ كما يجب أن تكون الممارسة قد حدثت بطريقة تظهر اعترافاً عاماً بوجود قاعدة قانونية أو التزام قانوني.[30]
(1) الشرط الأول كي تكوّن ممارسة الدول قاعدة القانون الدولي العرفي، أن تكون ممارسة منتظمة فعلاً. كما يجب ألّا تكون دول مختلفة قد مارست سلوكاً مختلفاً من حيث الأساس، فيقوم البعض بشيء في حين يقوم البعض الآخر بشيء آخر. ففي قضية اللجوء Asylum case، عرض على محكمة العدل الدولية موقف لم تكن الممارسة فيه منتظمة بشكل كافٍ كي تكرّس قاعدة في القانون الدولي العرفي بخصوص ممارسة اللجوء الدبلوماسي. فذكرت في هذا الصّدد أنّ:
الوقائع المقدمة للمحكمة تكشف عن الكثير من الريبة والتناقض، والكثير من التقلب والتعارض في ممارسة اللجوء الدبلوماسي، وفي الآراء الرسمية المعبّر عنها في مناسبات مختلفة، كما أنّ هناك الكثير من التعارض في التوالي السريع لسلسلة من الاتفاقيات حول اللجوء السياسي، والتي صدّقت عليها بعض الدول ورفضتها دول أخرى، في حين كانت الممارسة تتأثر باعتبارات تعود بمنافع سياسية في مختلف القضايا، ولذا فإنّ من غير الممكن أن نتبين من كل هذا أيّ استخدام ثابت ومنتظم مقبول كقانون.[31]
وفي قضية صيد الأسماك Fisheries case، نظرت محكمة العدل الدولية في حالة مماثلة في ما يتعلق بحدود المياه الإقليمية للخلجان التي تمتد على مدى عشرة أميال، حيث رأت المحكمة أنه:
"ومع أنّ هذا الحد قد تم اعتماده من قبل دول معيّنة في قوانينها الوطنية، وفي معاهداتها واتفاقياتها، ومع أنّ قرارات تحكيم معيّنة طبقته بين هذه الدول، غير أنّ دولاً أخرى اعتمدت حداً مختلفاً. لذلك، لم تكتسب قاعدة الأميال العشرة سلطة قاعدة عامة في القانون الدولي".[32]
غير أنّ المحكمة اعتبرت أيضاً في هذه القضية أنه "لا يجدر تعليق الكثير من الأهمية على بعض الشكوك والتناقضات، سواء أكانت حقيقية أم ظاهرة" في ممارسة الدول عند القيام بالتقييم.[33] فيكفي أن تكون الممارسة متشابهة بشكل كافٍ. وعلى أساس هذا التشابه الكافي، قضت محكمة العدل الدولية في قضايا الرصيف القاري Continental Shelf cases بأنّ مفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة قد أصبح جزءاً من القانون العرفي. ومع أنّ الإعلانات المختلفة عن مثل هذه المنطقة لم تكن متطابقة، غير أنها كانت بنظر المحكمة متشابهة بشكل كافٍ مما مكّنها من التوصل إلى هذا القرار.[34]
ويبيّن اجتهاد محكمة العدل الدولية أنّ الممارسة المخالفة التي تبدو، وللوهلة الأولى، أنها تقوّض انتظام الممارسة المعنية، لا تحول دون تكوين قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي طالما أنّ هذه الممارسة المخالفة تدينها دول أخرى أو تنفيها الحكومة المعنية نفسها، وبذلك لا تمثل ممارستها الرسمية. ومن خلال هذه الإدانة أو النفي، يتم التأكيد فعلياً على القاعدة الأصلية. وقد تعاملت محكمة العدل الدولية مع موقف مماثل في قضية نيكاراغوا Nicaragua case التي نظرت فيها في الطبيعة العرفية لمبدأي عدم استخدام القوة وعدم التدخل، وذكرت أنّ:
من غير المتوقع في ممارسة الدول أن يكون تطبيق القواعد المعنية كاملاً، بمعنى أن تكون الدول قد أحجمت بشكل كامل عن استخدام القوة أو التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض. ولا تعتبر المحكمة أنّ من أجل تكريس قاعدة ما كقاعدة عرفية، يجب أن تكون الممارسة المشابهة متطابقة بشكل دقيق جداً مع القاعدة. وترى المحكمة أنّ من أجل استنتاج وجود قواعد عرفية، يكفي أن يكون سلوك الدول منسجماً بشكل عام مع هذه القواعد، واعتبار سلوك الدول غير المنسجم مع القاعدة المعنية، وبشكل عام، خرقاً لهذه القاعدة وليس إشارة إلى الاعتراف بقاعدة جديدة. وفي حال قامت إحدى الدول بعمل يبدو للوهلة الأولى أنه يتعارض مع قاعدة معترف بها، ولكنها دافعت عن تصرفها هذا بالاستناد إلى استثناءات أو مبررات ترد في القاعدة ذاتها، فإنّ أهمية هذا الموقف، سواء أكان سلوك هذه الدولة مبرراً على هذا الأساس أم غير مبرر، تتجلى في أنه تأكيد على القاعدة وليس إضعافاً لها.[35]
ويعتبر هذا القرار مناسباً بشكل خاص لعدد من قواعد القانون الدولي الإنساني حيث توجد أدلة وافرة من ممارسة لفظية من الدول تدعم قاعدة معيّنة إلى جانب أدلة متكررة على انتهاكات لهذه القاعدة. والانتهاكات التي تصاحبها أعذار أو تبريرات من قبل الطرف المعني و/أو إدانات من قبل دول أخرى، لا تسمح لها طبيعتها بتحدي وجود القاعدة المعنية. وعلى الدول التي ترغب في تغيير قاعدة موجودة في القانون الدولي العرفي أن تقوم بذلك عبر ممارستها الرسمية وأن تدّعي أنها تقوم بذلك كحقّ لها.
(2) الشرط الثاني لكي يتحقق وجود قاعدة في القانون الدولي العرفي العام هو وجوب أن تكون الممارسة المعنية من قبل الدول منتشرة وتمثيلية على حد سواء. غير أنها لا تستلزم أن تكون عالمية؛ إذ يكفي أن تكون ممارسة "عامة".[36] ولا تتطلب عدداً محدداً أو نسبة مئوية معيّنة من الدول. والسبب الوحيد لاستحالة وضع رقم دقيق لحجم المشاركة المطلوبة هو أنّ المعيار نوعيّ أكثر منه كميّاً. أي أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد الدول المشاركة في الممارسة، بل أيضاً بأيّ دول.[37] وكما جاء في كلمات محكمة العدل الدولية في قضايا الرصيف القاري لبحر الشمال North Sea Continental Shelf cases، يجب أن تشمل الممارسة "ممارسة الدول التي تأثرت مصالحها بشكل خاص".[38]
وينطوي هذا الاعتبار على معنيين (1): في حال كانت كافة "الدول المعنية بشكل خاص" ممثلة، فلا ضرورة لمشاركة أغلبية الدول في ممارسة ما بشكل فعلي، ولكن يجب عليها، على الأقل، أن تقبل بممارسة "الدول المعنية بشكل خاص". (2) في حال لم تقبل "الدول المعنية بشكل خاص" بالممارسة، فلا يمكن لهذه الممارسة أن تستحق التحول إلى قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، مع أنّ الإجماع غير مطلوب كما ذكر سابقاً.[39] كما يمكن أن يتبدل "الطرف المعني بشكل خاص" وفقاً للظروف. وفي ما يتعلق بمسألة شرعية استخدام أسلحة الليزر المسببة للعمى، على سبيل المثال، تشمل "الدول المعنية بشكل خاص" الدول المعروفة بأنها كانت تعمل على استحداث هذه الأسلحة. أما في حقل المساعدات الإنسانية، فتعتبر الدول التي يحتاج سكانها إلى مثل هذه المساعدات، أو الدول التي عادةً ما تقوم بتقديم هذه المساعدات، دولاً "معنية بشكل خاص". وفي ما يتعلق بأية قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني، تعتبر الدول التي شاركت في نزاع مسلح "معنية بشكل خاص" عندما تكون ممارستها في ما يتعلق بقاعدة معيّنة ذات صلة بذلك النزاع المسلح. وعلى الرغم من حقيقة وجود بعض الدول المعنية بشكل خاص في نواحٍ معيّنة من القانون الدولي الإنساني، غير أنّ من الصحيح أيضاً أنّ لكافة الدول مصلحة قانونية في مطالبة الدول الأخرى باحترام القانون الدولي الإنساني، حتى وإن لم تكن هذه الدول أطرافاً في النزاع (انظر التعليق على القاعدة 144). وبالنتيجة، يجب النظر في ممارسة كافة الدول، سواء أكانت "معنية بشكل خاص" أم لا بالمعنى الحرفي للكلمة.
ولم تتخذ هذه الدراسة أية وجهة نظر في ما إذا كان بالإمكان قانوناً أن تكون الدولة "معترضاً دائماً" في ما يتعلق بالقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني. وبصرف النظر عن حقيقة أنّ سلطات كثيرة تعتبر أنّ ذلك غير ممكن في حالة القواعد الآمرة jus cogens، توجد أيضاً سلطات أخرى تشكّك باستمرارية صلاحية هذا المبدأ.[40] وإن تم التسليم بالإمكانية القانونية في أن تكون الدولة معترضاً دائماً، فعلى الدولة المعنية أن تكون قد اعترضت على نشوء القاعدة في خلال تكوينها، واستمرت بالاعتراض عليها في ما بعد؛ إذ إنّ من غير الممكن أن تكون "معترضاً لاحقاً".
(3) أما الشرط الثالث فيتعلق بالوقت اللازم لتكوين قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي من خلال اعتماد ممارسة منتظمة ومنتشرة وتمثيلية بشكل فعلي. وكما ذكر آنفاً، فعلى الرغم من أنّ من الطبيعي أن يمرّ بعض الوقت قبل أن تكون هناك ممارسة كافية لتفي بهذه المعايير، لا يوجد شرط لإطار زمني محدد. فالمسألة برمتها تتعلق بتراكم ممارسات كافية من حيث الانتظام، والمدى، والتمثيل.[41]
الاعتقاد القانوني
يتعلق الشرط الثاني لوجود قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، أي الاعتقاد القانوني opinion juris، بضرورة أن يكون تنفيذ الممارسة قد تمّ بحكم الحق. إنما قد تختلف الصيغة التي يعبّر بها عن الممارسة وعن هذا الاقتناع القانوني وفقاً لما تقتضيه القاعدة المعنية، أي إذا كانت تتضمّن حظراً، أو واجباً، أو مجرّد حق بالتصرف بطريقة معيّنة.
فالممارسة التي تكرّس وجود حظر ما، وعلى سبيل المثال القاعدة التي تفيد بحظر إعطاء الأمر بعدم إبقاء أحد على قيد الحياة (انظر القاعدة 46)، لا تتضمّن فقط بيانات بأن هذه الأفعال محظورة، وإدانات للحوادث التي وقعت فيها الأفعال المحظورة، ربما مصحوبة بتبريرات أو أعذار من قبل الدولة التي وُجّه إليها الانتقاد، بل أيضاً ممارسة مادية بالامتناع عن القيام بالسلوك المحظور. وفي حال تكونت الممارسة من امتناع مصحوب بالصمت، وبشكل واسع، يتوجب عندها وجود إشارة إلى أنّ الامتناع قائم على أساس توقعات مشروعة لهذا الأمر من قبل المجتمع الدولي.
والممارسة التي تكرّس وجود واجب ما، وعلى سبيل المثال القاعدة التي تفيد بوجوب العناية بالجرحى والمرضى (انظر القاعدة 110)، يمكن أن نجدها بشكل أولي في السلوك الذي يتوافق مع هذا المطلب. ويمكن أن نجد الدليل على أنّ هذا التصرف هو من المتطلبات القانونية ولا يأتي تهذيباً أو لمجرد المجاملة في تعبير عن الحاجة لمثل هذا السلوك، أو في انتقاد الدول الأخرى في حال الافتقار إليه. كما يمكن أن نجده أيضاً في كون الدولة التي وجّهت إليها الانتقادات من الدول الأخرى، تفسّر امتناعها من خلال البحث عن تبرير له داخل القاعدة نفسها.
أمّا الممارسة التي تكرّس وجود قاعدة تسمح بسلوك معيّن، وعلى سبيل المثال القاعدة التي تفيد بأن للدول الحق في أن تخوّل محاكمها الوطنية صلاحية الاختصاص العالمي للنظر في جرائم الحرب (أنظر القاعدة 157)، فيمكن أن نجدها في أفعال تعترف بالحق في التصرف على نحو معيّن، من دون أن تتطلب فعلاً مثل هذا السلوك. وعادةً ما نرى هذه الممارسة في تولي بعض الدول قضية من هذا النوع مع عدم وجود احتجاجات من دول أخرى.
وقد تبيّن أثناء القيام بهذه الدراسة أنّ فصل عناصر الممارسة عن الاعتقاد القانوني بشكل كامل، صعب جداً ونظريّ إلى حد كبير. إذ غالباً ما يعكس العمل ذاته ممارسة واقتناعاً قانونياً. وكما أشارت جمعية القانون الدولي، فإن محكمة العدل الدولية "لم تقل، في الواقع، وفي كلمات كثيرة، أنّ السلوك الواحد لا يستطيع أن يُظهر كلا العنصرين لمجرد وجود عناصر متمايزة في القانون العرفي (كما يُزعم). وفي الحقيقة، غالباً ما يصعب أو حتى يستحيل فكّ هذين العنصرين عن بعضهما البعض".[42] وهذا هو الحال، خاصةً لأنّ الأفعال اللفظية تعتبر من ممارسة الدول، وغالباً ما تعكس في الوقت عينه، الاعتقاد القانوني للدولة المعنيّة.
وحين تكون هناك ممارسة كثيفة بالقدر الكافي، عادةً ما تتضمّن هذه الممارسة اعتقاداً قانونياً opinio juris ولذلك، ليس من الضروري عادةً إثبات وجود اعتقاد قانوني بشكل منفصل. وفي حالات معيّنة تكون الممارسة فيها ملتبسة، يلعب الاعتقاد القانوني دوراً هاماً في تقرير ما إذا كانت هذه الممارسة تتجه نحو تكوين عرف أم لا.
وهذا هو الحال في الغالب مع حالات الامتناع أو التغاضي، عندما تمتنع الدول عن القيام بعمل أو برد فعل لسبب غير واضح. وقدمت محكمة العدل الدولية الدائمة مثالاً لهذا الوضع في قضية لوتوس Lotus case التي نظرت فيها في النزاع بين فرنسا وتركيا بشأن حق تركيا في إجراء محاكمة حول اصطدام وقع في أعالي البحار. وقد زعمت فرنسا أنّ عدم وجود مثل هذه المحاكمات يثبت حظراً بمقتضى القانون الدولي العرفي على إجراء المحاكمة، إلاّ من قبل الدولة التي ترفع السفينة علمها، والتي وقعت على متنها الأفعال غير المشروعة. غير أنّ المحكمة لم توافق على هذا الرأي، لأنّ سبب امتناع الدول الأخرى عن إجراء المحاكمة لم يكن واضحاً. فهل امتنعت لأنها رأت أن ليس من حقها إجراء المحاكمة أم لأسباب أخرى، منها على سبيل المثال عدم الاهتمام أو الاعتقاد بأنّ محكمة تابعة للدولة التي ترفع السفينة علمها هي أكثر ملاءمة لذلك. كما ذكرت المحكمة أنه لا يوجد دليل على أي "شعور بوجود واجب للامتناع".[43]
كما قامت محكمة العدل الدولية بتحليل حالة أخرى ملتبسة في القضايا الخاصة بالرصيف القاري لبحر الشمال North Sea Continental Shelf cases، التي زعمت فيها الدنمارك وهولندا وجود قاعدة عرفية تشترط ترسيم حدود الرصيف القاري على أساس مبدأ تساوي الأبعاد، والسبب من بين أمور أخرى، أنّ عدداً من الدول تصرف على هذا الأساس. واعتبرت المحكمة أنّ أساس تصرف هذه الدول يبقى مبنياً على التخمين، ولا يمكن الاستنتاج أنها اعتقدت أنها تطبّق قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي.[44] وبتعبير آخر، فإنّ الدول التي قامت بترسيم حدود رصيفها القاري على أساس مبدأ تساوي الأبعاد، قد تصرفت وفقاً لهذا المبدأ، لكن لا شيء يدل على أنها اعتبرت نفسها ملزمة به. وقد سعت كل من محكمة العدل الدولية، وسلفها المحكمة الدائمة للعدل الدولي، في مثل هذه الحالات التي تتسم فيها الممارسة بالغموض، إلى النظر في إمكانية تكريس وجود اعتقاد قانوني يشير إلى أنّ الممارسة الملتبسة ساهمت في الواقع في تكريس القانون الدولي العرفي.[45]
وفي مجال القانون الدولي الإنساني، حيث تقتضي قواعد كثيرة الامتناع عن سلوك معيّن، يثير التغاضي أو الإحجام مشكلة محددة في تقييم الاعتقاد القانوني لأنّ الأمر يقتضي إثبات أن الامتناع ليس مصادفة بل يقوم على توقع مشروع. وعندما يُشار إلى مطلب الامتناع هذا في بيانات ووثائق، يمكن عادةً إثبات وجود مطلب قانوني بالامتناع عن السلوك المعني. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يحدث مثل هذا الامتناع أيضاً في أعقاب جدل يثيره السلوك المعني، الأمر الذي يساعد أيضاً على إثبات أنّ الامتناع لم يكن مصادفة، مع أنّ الاستنتاج بأنّ الامتناع كان سببه الشعور بالالتزام القانوني ليس دائماً بالأمر السهل. والمثال على هذه المشكلة الامتناع عن سلوك معيّن في أثناء نزاع مسلح غير دولي عند وجود قاعدة واضحة تفرض الامتناع عن مثل هذا السلوك، فقط في قانون المعاهدات ينطبق في النزاعات المسلحة الدولية. ونذكر، على سبيل المثال، الامتناع عن استخدام أسلحة معيّنة في النزاعات المسلحة غير الدولية، في حين أبرمت منذ وقت بعيد معاهدات حول حظر استخدام هذه الأسلحة، حين لم تكن القواعد المتعلقة بالنزاعات المسلحة غير الدولية متداولة ومتفق عليها بعد كما هي الحال اليوم. ومن غير المحتمل أن يؤدّي الامتناع عن مثل هذا الاستخدام، أو الامتناع عن القيام بعمل محظور، بالدول الأخرى إلى التعليق، خاصةً في ما يتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية التي لا تتأثر الدول الأخرى بها بشكل مباشر. ولا تحقق عمليات الادعاء، والادعاء المضاد، المتعلقة بالنزاعات المسلحة غير الدولية نتائج واضحة مثلما تحققه في النزاعات المسلحة الدولية، إذ تتأثر دولتان أو أكثر بشكل مباشر بسلوك بعضها البعض في حالة النزاعات المسلحة الدولية، بينما يكون الأثر المباشر عادةً على دولة واحدة فقط في حالة النزاعات المسلحة غير الدولية.
ويبدو أنّ المحاكم الدولية تقرر أحياناً أنّ قاعدة من القانون الدولي العرفي موجودة لأنّ هذه القاعدة مرغوب فيها للسلام والأمن الدوليين أو لحماية الإنسان، على ألّا يكون هناك اعتقاد قانوني هام مناقض لها.[46] ومن الأمثلة على هذه القرارات، قرار المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ بأنّ اتفاقيات لاهاي للعام 1907 أصبحت راسخة في القانون العرفي،[47] وقرار محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا بأنّ قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية والخارجية للدول الأخرى جزء من القانون الدولي العرفي.[48] غير أنّه في حال وجود دليل واضح على اعتقاد قانوني مناقض من قبل عدد من الدول، بما فيها الدول المعنية بشكل خاص، قضت السوابق القضائية الدولية بأنّه لا يمكن إثبات وجود قاعدة عرفية دولية. ومن الأمثلة على ذلك، الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في قضية الأسلحة النووية حول ما إذا كان استخدام الأسلحة النووية غير شرعي،[49] وقرار المحكّم الوحيد في قضية تيكساكو ضد ليبيا Texaco v. Libya case حول مسألة تغيير ممكن في القانون المتعلق بالتعويض عن التجريد من الملكية. [50] ويعتبر هذا الجانب من تقييم القانون العرفي ذا صلة خاصة بالقانون الدولي الإنساني، مع العلم أنّ القسم الأعظم من هذا القانون يسعى لتنظيم السلوك لأسباب إنسانية. وفي بعض الحالات، لا يمكن مع ذلك أن نجد قاعدة في القانون الدولي العرفي، حتى ولو كانت هناك ممارسة من الغالبية لصالحها، أو كانت مرغوبة جداً.
أثر قانون المعاهدات
المعاهدات مهمة أيضاً في تحديد وجود القانون الدولي العرفي، لأنها تساعد في إلقاء الضوء على نظرة الدول إلى قواعد معيّنة من القانون الدولي. ولذا، تناولت الدراسة تصديق المعاهدات، وتفسيرها، وتنفيذها، بما في ذلك التحفظات والبيانات التفسيرية التي تسجل عند التصديق. وفي القضايا الخاصة بالرصيف القاري لبحر الشمال، اعتبرت محكمة العدل الدولية بوضوح، أنّ درجة التصديق على معاهدة ما، ذات صلة بتقييم القانون العرفي الدولي. وذكرت المحكمة في هذه القضية أن "عدد الدول المصدقة على المعاهدة والمنضمة إليها حتى تاريخه [39]، عدد كبير، إلّا أنه بالكاد يكفي"، وخاصةً في سياق كانت فيه الممارسة متناقضة خارج المعاهدة.[51] وبالمقابل، أعطت المحكمة في قضية نيكاراغوا أهمية كبيرة عند تقييمها للوضع العرفي لقاعدة عدم التدخل، مستندة إلى أنّ دول العالم أجمع تقريباً قد صدقت على ميثاق الأمم المتحدة، كما تمت الموافقة بشكل واسع على قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، وخاصةً القرار 2625 (XXV) بشأن علاقات الصداقة بين الدول، والذي تم اعتماده دون تصويت.[52] وربما حدث أنّ حكماً من أحكام معاهدة ما يعكس قانوناً عرفياً، حتى وإن لم تدخل المعاهدة بعد حيز التنفيذ، شريطة أن توجد ممارسات مماثلة كافية، ومنها ممارسات دول متأثرة بشكل خاص، بحيث لا يبقى إلّا احتمال بسيط لمعارضة هامة للقاعدة المعنيّة.[53]
أما في المجال العملي، فتساعد صياغة قواعد المعاهدات في التركيز على الرأي القانوني العالمي، ولها تأثير أكيد في سلوك الدول واعتقادها القانوني لاحقاً. وقد أقرّت محكمة العدل الدولية بهذه الحقيقة في قضية الرصيف القاري، حيث ذكرت أنّ:
من البديهي طبعاً البحث عن مادة القانون الدولي العرفي في المقام الأول، في الممارسة الفعلية والاعتقاد القانوني للدول، مع أنّ الاتفاقيات متعددة الأطراف قد يكون لها دور هام تلعبه في تدوين وتعريف القواعد الناشئة عن العرف، أو في تطويرها.[54]
وأقرّت المحكمة بأنّ المعاهدات لا يمكن أن تقنّن قانوناً دولياً عرفياً سابقاً فحسب، بل يمكنها أيضاً أن تضع الأساس لتطوير أعراف جديدة مبنية على قواعد تتضمّنها تلك المعاهدات. وذهبت المحكمة إلى أبعد من ذلك بقولها أن "من الممكن.. أن تكون المشاركة التمثيلية والواسعة جداً في معاهدة ما كافية في حد ذاتها، شريطة أن تشمل مشاركة الدول التي تأثرت مصالحها بشكل خاص".[55]
وقد لخّصت جمعية القانون الدولي هذه السابقة القضائية بقولها أنّ معاهدة (متعددة الأطراف) قد تتفاعل مع العرف في أربعة طرق مختلفة: فتستطيع أن توفر دليلاً على عرف موجود؛ أو تستطيع أن توفر دافعاً أو نموذجاً لاعتماد عرف جديد من خلال ممارسة الدول؛ أو تستطيع أن تساعد في ما يسمى "بلورة" عرف ناشئ؛ أو تستطيع أن تؤدي إلى عرف جديد من خلال "تأثيرها الخاص" في حال كانت القاعدة المعنيّة ذات طابع مولّد للمعايير، ويكون قد تم اعتمادها على نطاق واسع من جانب الدول باعتبارها تخلق التزاماً قانونياً عاماً جديداً. ولا يمكن أن يكون هناك أيّ افتراض أنّ أياً من هذه التفاعلات قد حدث، دون تفحّص الدليل في كلّ حالة منها.[56]
وقد أخذت هذه الدراسة بالنهج الحذر، فاعتبرت أنّ التصديق الواسع النطاق هو مجرد إشارة يجب تقييمها مع العناصر الأخرى من الممارسة، وبخاصة ممارسة الدول التي ليست أطرافاً في المعاهدة المعنيّة. واعتبرت أنّ الممارسة الثابتة من قبل الدول التي ليست أطرافاً دليل إيجابي هام. غير أنها اعتبرت أيضاً أنّ الممارسة المناقضة من قبل الدول التي ليست أطرافاً دليل سلبي هام. كما اعتبرت أنّ ممارسة الدول الأطراف في معاهدة ما إزاء الدول التي ليست أطرافاً فيها هي أيضاً، وبوجه خاص، ذات أهمية كبيرة.
وهكذا، لم تقتصر الدراسة على النظر في ممارسة الدول التي ليست أطرافاً في معاهدات القانون الدولي الإنساني ذات الصلة. إذ إنّ حصر الدراسة في النظر في ممارسة الدول الـ30 التي لم تصدّق بعد على البروتوكولين الإضافيين، على سبيل المثال، لن يتوافق مع الشرط الذي يقتضي بأن يُبنى القانون الدولي العرفي على ممارسة تمثيلية وواسعة الانتشار. لذلك، يأخذ تقييم وجود القانون العرفي بعين الاعتبار حقيقة أنّه في الوقت الذي أعدّت فيه هذه الدراسة، كانت 162 دولة قد صدّقت على البروتوكول الإضافي الأول، و157 دولة على البروتوكول الإضافي الثاني. كما يأخذ تقييم القانون العرفي بالحسبان أيضاً حقيقة أنّ 192 دولة صدّقت على اتفاقيات جنيف، ولم تكرّر الإشارة إلى ذلك في التعليقات.
وأخيراً، لم يكرّر ذكر القرارات القضائية الأهم بشأن الطبيعة العرفية لأحكام القانون الإنساني في التعليقات التي تذكر القواعد التي تم الحكم بأنها عرفية. وهذا ينطبق بشكل خاص على قرار المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ بأنّ لائحة لاهاي للعام 1907 "كانت تمثل بالتأكيد تقدماً على القانون الدولي الذي كان موجوداً وقت اعتمادها... ولكن في العام 1939، فإنّ هذه القواعد التي جاءت في الاتفاقية تم إقرارها من كافة الدول المتحضرة، وكان ينظر إليها باعتبارها إعلاناَ لقوانين وأعراف الحرب".[57] كما ينطبق أيضاً على قضية نيكاراغوا، التي رأت محكمة العدل الدولية فيها أنّ المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف تعكس "اعتبارات أولية للإنسانية" وتشكّل "معياراً أدنى" ينطبق على جميع النزاعات المسلحة.[58] وينطبق، علاوة على ذلك، على قرار محكمة العدل الدولية في قضية الأسلحة النووية بأنّ الغالبية العظمى من أحكام اتفاقيات جنيف للعام 1949 تمثل قانوناً دولياً عرفياً.[59] وفي السياق ذاته، من المهم التشديد، في ما يتعلق بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبالرغم من عدم تكراره في التعليقات، على أنّ هناك "اتفاقاً عاماً على وجوب أن يعكس تعريف الجرائم في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، القانون الدولي العرفي الموجود، دون استحداث قانون جديد".[60]
ومن أجل تحديد أفضل الطرق للقيام بالتفويض الموكل إليها، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر باستشارة مجموعة من الخبراء الأكاديميين في القانون الدولي الإنساني الذين شكّلوا اللجنة التوجيهية للدراسة. وتألفت اللجنة التوجيهية من الأساتذة:
Georges Abi-Saab, Salah El-Din Amer, Ove Bring, Eric David, John Dugard, Florentino Feliciano, Horst Fischer, Françoise Hampson, Theodor Meron, Djamchid Momtaz, Milan Sahovic, Raúl Emilio Vinuesa.
واعتمدت اللجنة التوجيهية خطة عمل في يونيو/ حزيران 1996، وبدأ البحث في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه. وتبعاً لخطة العمل، استخدم البحث المصادر الوطنية والدولية التي تعكس ممارسة الدول، وتركّز البحث في هذه المصادر على أجزاء الدراسة الستة التي تحددت في خطة العمل:
مبدأ التمييز؛
الأشخاص والأعيان المشمولة بالحماية؛
أساليب حرب محددة؛
الأسلحة؛
معاملة المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال؛
التنفيذ.
وتفسّر إمكانات الوصول إلى المصادر الوطنية والدولية إلى حد كبير أسلوب البحث المعتمد.
البحث في المصادر الوطنية للممارسة
نظراً إلى أنّ الوصول إلى المصادر الوطنية أسهل بكثير من داخل البلد، فقد تقرّر السعي إلى التعاون مع باحثين وطنيين. ولذلك، تم اختيار نحو 50 دولة (9 في أفريقيا، و15 في آسيا، و11 في أوروبا، و11 في الأمريكتين، و1 في منطقة أستراليزيا)، وجرى تعيين باحث أو مجموعة باحثين في كل منها لوضع تقرير عن ممارسة الدول (انظر الملحق الأول). وتمّ اختيار هذه البلدان من قبل اللجنة التوجيهية على أساس التمثيل الجغرافي، بالإضافة إلى الخبرات الحديثة لمختلف أنواع النزاعات المسلحة التي استخدمت فيها أساليب حرب متنوعة. وجاءت النتيجة سلسلة تقارير عن ممارسة الدول. وحددت ممارسات هامة لبلدان أخرى من خلال البحث في مصادر دولية وفي محفوظات اللجنة الدولية للصليب الأحمر (انظر أدناه).
وتشمل مصادر ممارسة الدول، التي جمعها الباحثون الوطنيون، كتيّبات عسكرية، وتشريعات وطنية، وسوابق قضائية وطنية، وتعليمات للقوات المسلحة وقوى الأمن، وبيانات عسكرية صدرت في أثناء الحروب، واحتجاجات دبلوماسية، وآراء لمستشارين قانونيين رسميين، وتعليقات حكومات على مشاريع معاهدات، وقرارات ولوائح تنفيذية، ومرافعات أمام محاكم دولية، وبيانات في منظمات دولية ومؤتمرات دولية، ومواقف حكومات بخصوص قرارات منظمات دولية.
كما جرى بحث وتجميع كتيّبات الدليل العسكري والتشريعات الوطنية للبلدان التي لا تغطيها تقارير ممارسة الدول. وأسهمت في تسهيل هذا العمل شبكة بعثات اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول العالم، والمجموعة الواسعة للتشريعات الوطنية التي جمعها قسم الخدمات الاستشارية باللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن القانون الدولي الإنساني. وكان الغرض من البحث الإضافي التأكد من أنّ الدراسة واكبت، بقدر الإمكان، أحدث الاتجاهات، وأنها أخذت بالحسبان، وللحد الممكن، التطورات الجارية حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2002. وقد أمكن، في بعض الحالات، تضمينها أحدث الممارسات المعروفة.
البحث في المصادر الدولية للممارسة
قامت ست فرق بجمع ممارسات الدول من مصادر دولية، وركّز كلّ فريق منها على باب من أبواب الدراسة. وتألفت هذه الفرق من الأساتذة:
الباب الأول. مبدأ التمييز
المقرر: Georges Abi-Saab
الباحث: Jean-François Quéguiner
الباب الثاني. الأشخاص والأعيان المشمولة بحماية خاصة
المقرر: Horst Fischer
الباحثان: Heike Spieker, Gregor Schotten
الباب الثالث. أساليب محددة للحرب
المقرر: Theodor Meron
الباحث: Richard Desgagné
الباب الرابع. الأسلحة
المقرر: Ove Bring
الباحث: Gustaf Lind
الباب الخامس. معاملة المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال
المقرر: Françoise Hampson
الباحث: Camille Giffard
الباب السادس. التنفيذ
المقرر: Eric David
الباحث: Richard Desgagné
وقامت هذه الفرق بالبحث في الممارسة في إطار الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، وعلى الأخص الاتحاد الأفريقي (منظمة الوحدة الأفريقية سابقاً)، والمجلس الأوروبي، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الدول الأمريكية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. كما جرى البحث في ممارسة كومونولث الدول المستقلة، والاتحاد البرلماني، وحركة عدم الانحياز. وسهلت الاطلاع على ممارسة هذه المنظمات بعثات اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي ترتبط بعلاقات معها. وتبرز ممارسة الدول على المستوى الدولي في مصادر متنوعة، منها قرارات تم اعتمادها في إطار الأمم المتحدة، ولا سيما من قبل مجلس الأمن، والجمعية العامة، واللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وتحقيقات خاصة أجرتها الأمم المتحدة، وأعمال لجنة حقوق الإنسان وتعليقات الحكومات عليها، وأعمال لجان الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة، وإجراءات تتعلق بمواضيع وبلدان محددة من قبل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وإجراءات الشكاوى أمام لجنة حقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب، ولجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، ولجنة حقوق الطفل، والأعمال التحضيرية travaux préparatoires للمعاهدات، وإحالات الدول للمحاكم الدولية والإقليمية. كما جُمعت أيضاً سوابق قضائية دولية بقدر ما تقدم دليلاً على وجود قواعد القانون الدولي العرفي.
البحث في محفوظات اللجنة الدولية للصليب الأحمر
وتكملة للبحث في المصادر الوطنية والدولية، رجعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى محفوظاتها الخاصة المتعلقة بنحو 40 نزاعاً مسلحاً حديثاً، منها نحو 20 وقعت في أفريقيا، و8 في آسيا، و8 في أوروبا، و2 في الأمريكتين (انظر الملحق الثاني). وبوجه عام، جرى اختيار هذه النزاعات لتغطية البلدان والنزاعات التي لم يتناولها تقرير عن ممارسة الدول. ونتيجة لهذا النهج الثلاثي العناصر- أي البحث في المصادر الوطنية، والدولية، ومحفوظات اللجنة الدولية - شملت الدراسة ممارسات من جميع أنحاء العالم. غير أنّ بطبيعة الأمور، لا يمكن الادعاء أنّ هذا البحث كامل. وقد تركّز البحث الخاص بالدراسة، وبوجه خاص، على الممارسة في السنوات الثلاثين الماضية، لضمان أن تكون النتيجة تقريراً جديداً عن القانون الدولي العرفي المعاصر، ولكن ذكرت في الوقت عينه ممارسات أقدم حيثما وُجد أنها ما تزال هامة.
دمج نتائج البحث
عند الانتهاء من البحث، تم تلخيص كل الممارسات المستجمعة ودمجها في أبواب منفصلة تغطي النواحي المختلفة للدراسة. وقامت بهذا العمل الفرق الستة المكلفة بالبحث الدولي، وكل فريق بالباب المعني به. ومن ثمّ جرى تحرير الفصول التي تتضمّن هذه الممارسات المدمجة، وتكملتها، وتحديثها من قبل مجموعة من باحثي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ونشرت في المجلد الثاني "الممارسة". ويرجع السبب وراء نشر هذه الفصول الضخمة إلى شقين. أولاً، تمكين من يرجع إلى هذه الدراسة من التحقق من أساس كل قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي في ممارسات الدول. فتشير كل قاعدة في المجلد الأول إلى الفصل والقسم في المجلد الثاني حيث توجد الممارسات التي تستند إليها تلك القاعدة. وثانياً، اعتبر أنّ من المفيد نشر المعلومات الوفيرة التي تم جمعها. وبذلك يتمكن الكثير من العاملين في مجال القانون والباحثين من استخدام الممارسات المستجمعة لأغراضهم المهنية الخاصة.
مشاورات الخبراء
في الجولة الأولى من المشاورات، دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر فرق البحث الدولي لإعداد "ملخص تنفيذي" يتضمّن تقييماً تمهيدياً للقانون الدولي الإنساني العرفي على أساس الممارسة التي تم جمعها. وجرت مناقشة هذه الملخصات التنفيذية في اللجنة التوجيهية في ثلاثة اجتماعات عقدت في جنيف (انظر الملحق الثالث). وعلى أساس هذه الجولة الأولى من المشاورات، جرى تحديث "الملخصات التنفيذية". وفي جولة مشاورات ثانية، عُرضت الملخصات على مجموعة من الخبراء الأكاديميين والحكوميين من كافة مناطق العالم، تمت دعوتهم بصفتهم الشخصية من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لحضور اجتماعين مع اللجنة التوجيهية (أنظر الملحق الثالث). وفي هذين الاجتماعين اللذين عقدا في جنيف، ساعد الخبراء في تقييم الممارسات التي تم جمعها، وأشاروا إلى ممارسات خاصة لم يتم جمعها.
كتابة التقرير
استخدم التقييم الذي وضعته اللجنة التوجيهية، بعد مراجعته من قبل مجموعة الخبراء الأكاديميين والحكوميين، كأساس لكتابة التقرير النهائي. وأعاد كاتبو الدراسة تفحّص الممارسة وتقييم وجود العرف، واستعرضوا صياغة القواعد وترتيبها، وكتبوا التعليقات. وقدمت مسودة هذه النصوص إلى القسم القانوني باللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي قدّم أفراده تعليقات وآراء قيّمة. وبالإضافة إلى ذلك، تمت مراجعة كلّ باب من قبل قارئ إضافي، فتولى Maurice Mendelson مراجعة المقدمة بشأن تقييم القانون الدولي العرفي، Knut Dörmann مراجعة الباب الأول، وTheodor Meron الباب الثاني، Horst Fischer الباب الثالث، والوحدة الخاصة بشؤون الألغام والأسلحة باللجنة الدولية للصليب الأحمر بإشراف Peter Herby الباب الرابع، وWilliam Fenrick الباب الخامس، وAntonio Cassese الباب السادس. وعلى أساس تعليقاتهم، وتعليقات القسم القانوني باللجنة الدولية للصليب الأحمر، جرى إعداد مسودة ثانية قدّمت إلى اللجنة التوجيهية، ومجموعة الخبراء الأكاديميين والحكوميين، والقسم القانوني باللجنة الدولية للصليب الأحمر طلباً للمشورة الخطية. ومن ثمّ جرى تحديث النص ووضعه في صيغته النهائية، مع أخذ التعليقات بعين الاعتبار.
وبدأ العمل بهذه الدراسة بإشراف Louise Doswald-Beck، التي كانت نائبة الرئيس وأصبحت لاحقاً رئيسة القسم القانوني باللجنة الدولية للصليب الأحمر. وكان Jean-Marie Henckaerts مسؤولاً عن الإدارة العامة للدراسة، وقام بتحرير الأبواب الأول، والثاني، والثالث، والخامس، من المجلد الأول. بينما تولت Louise Doswald-Beck تحرير البابين الرابع والسادس، وكذلك الفصلين 14 و32، من المجلد الأول. أما المقدمات فقد حررها الاثنان معاً. وساهم في تحرير النص كل من Knut Dörmann، و Baptiste Rolle، و .Carolin Alvermann ويتحمل المؤلفان معاً المسؤولية الحصرية عن مضمون الدراسة.
[1] أنظر Knut Dörmann, Elements of War Crimes under the Rome Statute of the International Criminal Court: Sources and Commentary, Cambridge University Press, 2003.
[2] النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، تم اعتمادها من قبل المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر، جنيف، 23-31 أكتوبر/ تشرين الأول 1986، المادة 5(2) (ج) و (ز) على التوالي Statutes of the International Red Cross and Red Crescent Movement, adopted by the 25th International Conference of the Red Cross, Geneva, 23-31 October 1986, Article 5 (2) (c) and (g) respectively. تم اعتماد هذا النظام الأساسي من قبل الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف وأعضاء الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. وقد أوكل هذا التفويض أولاً للجنة الدولية للصليب الأحمر في المادة 7 من النظام الأساسي للصليب الأحمر الدولي الذي اعتمده المؤتمر الدولي الثالث عشر للصليب الأحمر، والذي عقد في لاهاي، 23-27 أكتوبر/ تشرين الأول 1928، والذي ينصّ على أن "كافة الشكاوى التي تتعلق بانتهاكات مزعومة للاتفاقيات الدولية، وعموماً كافة المسائل التي تتطلب تفحّصاً من قبل هيئة محايدة، تكون حصرياً من اختصاص اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، “all complaints in regard to alleged violations of the international Conventions, and in general, all questions calling for examination by a specifically neutral body, shall remain the exclusive province of the International Committee of the Red Cross”. "وبالتالي، تنصّ المادتان 6 (4) و (7) من النظام الأساسي للصليب الأحمر الدولي الذي اعتمده المؤتمر الدولي الثامن عشر للصليب الأحمر، والذي عقد في تورنتو، 22 يوليو/ تموز 1952، على أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر "تتعهد القيام بالمهام الموكلة إليها بمقتضى اتفاقيات جنيف، والعمل على التطبيق الأمين ونشرها" “undertakes the tasks incumbent on it under the Geneva Conventions, works for the faithful application of these Conventions and takes cognizance of complaints regarding alleged breaches of the humanitarian Conventions” and “works for the continual improvement and diffusion of the Geneva Conventions”
[3] المؤتمر الدولي لحماية ضحايا الحرب، جنيف، 30 أغسطس/ آب- 1 سبتمبر/ أيلول 1993، الإعلان الختامي، International Review of the Red Cross, No. 296, 1993, p. 381.
[4] اجتماع مجموعة الخبراء الحكوميين لحماية ضحايا الحرب، جنيف، 23-27 يناير/ كانون الثاني 1995، التوصية الثانية، International Review of the Red Cross, No. 310, 1996, p. 84.
[5] المؤتمر الدولي السادس والعشرون للصليب الأحمر والهلال الأحمر، جنيف 3-7 ديسمبر/ كانون الأول 1995، القرار 1، القانون الدولي الإنساني From law to action; Report on the follow-up to the International Conference for the Protection of War Victims, International Review of the Red Cross, No. 310, 1996, p. 58.
[6] Louise Doswald-Beck (ed.), San Remo Manual on International Law Applicable to Armed Conflicts at Sea, من إعداد محامين دوليين وخبراء بحرية بدعوة من المعهد الدولي للقانون الإنساني، دار نشر جامعة كمبريدج، 1995.
[7] تنص المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 15 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة 27 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، على أنّ تدابير التقييد التي تتخذها الدول يجب ألّا تكون "مخالفة لالتزاماتها بمقتضى القانون الدولي". أما الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، فلا يسمح بتقييد الحقوق.
[8] المادة 3 (1) (د) المشتركة في اتفاقيات جنيف للعام 1949.
[9] أنظر، على الأخص، الفصل 32 بشأن الضمانات الأساسية.
[10] النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، المادة 38 (1) (ب).
[11] محكمة العدل الدولية، قضية الرصيف القاري (الجماهيرية العربية الليبية ضد مالطة) ICJ, Continental Shelf case (Libyan Arab Jamahiriya v. Malta), Judgement, 3 June 1985, ICJ Reports 1985, pp. 29-30, §27.
[12] محكمة العدل الدولية، قضايا الرصيف القاري لبحر الشمال ICJ, North Sea Continental Shelf cases, Judgement, 20 February 1969, ICJ Reports 1969, p. 3.
[13] محكمة العدل الدولية ICJ, Fisheries Jurisdiction case (United Kingdom v. Iceland), Joint separate opinion of Judges Forster, Bengzon, Jiménez de Aréchaga, Singh and Ruda, 25 July 1974, ICJ Reports 1974, p. 47; Separate opinion of Judge Dillard, 25 July 1974, ICJ Reports 1974, pp. 56-58; Separate opinion of Judge De Castro, 25 July 1974, ICJ Reports 1974, pp. 81-88; Separate opinion of Judge Waldock, 25 July 1974, ICJ Reports 1974, pp. 119-120; Dissenting opinion of Judge Gros, 25 July 1974, ICJ Reports 1974, p. 135; Dissenting opinion of Judge Petrén, 25 July 1974, ICJ Reports 1974, p. 161. استنتج القضاة وجود قواعد عرفية من دعاوى بخصوص مناطق بحرية، دون اعتبار لوضعها موضع الإنفاذ أم لا؛ أنظر أيضاً آراء القضاة أنفسهم في Fisheries Jurisdiction case (Federal Republic of Germany v. Iceland), 25 July 1974, ICJ Reports 1974, p. 175.
[14] محكمة العدل الدولية، ICJ, Case concerning Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States), Merits, Judgement, 27 June 1986, ICJ Reports 1986, p. 100, §190. ووجدت المحكمة أيضاً تأكيداً لصلاحية مبدأ حظر استخدام القوة كقانون دولي عرفي عبّرت عنه المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة حيث جرت الإشارة المتكررة إليه في بيانات من ممثلي الدول على أنه ليس مبدأ قانون دولي عرفي فحسب، بل أيضاً كأحد المبادئ الأساسية أو الرئيسة لهذا القانون “frequently referred to in statements by State representatives as being not only a principle of customary international law but also a fundamental or cardinal principle of such law”.
[15] محكمة العدل الدولية، ICJ, Case concerning the Gabčíkovo-Nagymaros Project (Hungary v. Slovakia), Judgement, 25 September 1997, ICJ Reports 1997, pp. 39-46, §§49-58. أعلنت المحكمة الطبيعة العرفية لمفهوم "حالة الضرورة" "state of necessity" التي يمكن أن تعوق عدم مشروعية عمل لا يتماشى مع القانون الدولي. واعتمدت المحكمة من أجل ذلك على مواد منها بيانات رسمية كثيرة، استخدمتها لجنة القانون الدولي في صياغة المادة المطابقة في مشاريع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً.
[16] لجنة القانون الدولي، مشاريع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، ILC, Draft Articles on State Responsibility, Yearbook of the ILC, 1980, Vol. II, Part 2, UN Doc. A/CN.4/SER.A/1980/Add.1 (Part 2), 1980, pp. 34-52. وقد استندت لجنة القانون الدولي في استنتاجاتها على بيانات من ممثلي الدول أو المحامين. ومن أجل مثال آخر، أنظر Yearbook of the ILC, 1950, Vol. II, pp. 368-372. وأشارت اللجنة إلى الفئات التالية من أدلة القانون الدولي العرفي "صكوك دولية" وقرارات المحاكم الوطنية والدولية، وتشريعات وطنية، وكذلك مراسلات ديبلوماسية، وآراء لمستشارين قانونيين وطنيين، وممارسة منظمات دولية.
[17] المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ICTY, Tadić case, Case No. IT-94-AR72, Decision on the defence motion for interlocutory appeal on jurisdiction, 2 October 1995, §99.
[18] جمعية القانون الدولي ILA, Final Report of the Committee on the Formation of Customary (General) International Law, Statement of Principles Applicable to the Formation of General Customary International Law, Report of the Sixty-Ninth Conference, London, 2000, Principle 4 and commentary (a) thereto, pp. 725-726 (hereinafter “ILA Report”).
[19] من أجل حجج أكثر تفصيلاً وإشارات إلى سوابق قضائية دولية بشأن هذا الأمر، أنظر تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, Principle 9, pp. 728-729, referring to PCIJ, Nottebohm case (second phase) (Liechtenstein v. Guatemala), Judgement, 6 April 1955, ICJ Reports 1955, and the Lotus case (France v. Turkey), Judgement, 7 September 1927, PCIJ Ser. A, No. 10, pp. 23, 26 and 28-29. الحاشية 18 أعلاه
[20] أنظر، على سبيل المثال، تقرير لجنة القانون الدولي ILA Report, Principle 5, p. 726. الحاشية 18 أعلاه.
[21] النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، الحاشية 2 أعلاه، المادة 5 (2) (ج).
[22] النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، المادة 38 (1) (د).
[23] أنظر، على سبيل المثال، محكمة العدل الدولية ICJ, Case concerning Reservations to the Convention on Genocide, Advisory Opinion, 28 May 1951, ICJ Reports 1951, p.25.
[24] Daphna Shraga, (UN Peacekeeping Operations: Applicability of International Humanitarian Law and Responsibility for Operations-Related Damage), American Journal of International Law, Vo. 94, 2000, p. 408.
[25] أنظر، على سبيل المثال، المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ICTY, The Prosecutor v. Blagoje Simić et al., Case No. IT-95-9-PT, Decision on the prosecution motion under Rule 73 for a ruling concerning the testimony of a witness, 27 July 1999, released as a public document by Order of 1 October 1999, §46 and footnote 9.
[26] النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، الحاشية 2 أعلاه، المادة 5(2)(ج) و(ز).
[27] المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ICTY, Tadić case، الحاشية 17 أعلاه §109.
[28] جرى التشديد على أهمية هذه الشروط من قبل محكمة العدل الدولية في قضية الأسلحة النووية Nuclear Weapons case, Advisory Opinion, 8 July 1996, ICJ Reports 1996, pp. 254-255, §§ 70-73.
[29] يأتي هذا التعبير من Sir Humphrey Waldock, “General Course on Public International Law”, Collected Courses of the Hague Academy of International Law, Vol. 106, 1962, p. 44.
[30] محكمة العدل الدولية ICJ, North Sea Continental Shelf cases الحاشية 12 أعلاه ص 43§74.
[31] محكمة العدل الدولية ICJ, Asylum case (Colombia v. Peru), Judgement, 20 November 1950, ICJ Reports 1950, p. 277.
[32] محكمة العدل الدولية ICJ, Fisheries case (United Kingdom v. Norway), Judgement, 18 December 1951, ICJ Reports 1951, p. 131.
[33] المرجع نفسه، ص138.
[34] محكمة العدل الدولية، ICJ, Continental Shelf case (Tunisia v. Libyan Arab Jamahiriya), Judgement, 24 February 1982, ICJ Reports 1982, p. 74, § 100 and Continental Shelf case, الحاشية 11 أعلاه ص 33§34.
[35] محكمة العدل الدولية ICJ, Case concerning Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua، الحاشية 14 أعلاه ص 98§186.
[36] تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, Principle 14, p. 734 الحاشية 18 أعلاه.
[37] تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, commentary (d) and (e) to Principle 14, pp. 736-737. الحاشية 18 أعلاه.
[38] محكمة العدل الدولية ICJ, North Sea Continental Shelf cases الحاشية 12 أعلاه ص 43§74.
[39] تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, commentary (e) to Principle 14, p. 737. الحاشية 18 أعلاه.
[40] للاطلاع على مناقشة معمّقة لهذه المسألة، أنظر Maurice H. Mendelson, “The Formation of Customary International Law”, Collected Courses of the Hague Academy of International Law, Vol. 272, 1998, pp. 227-244.
[41] تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, commentary (b) to Principle 12, p. 731 الحاشية 18 أعلاه.
[42] تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, §10 (c), p. 718. الحاشية 18 أعلاه وللاطلاع على تحليل معمّق، أنظر Peter Haggenmacher “La doctrine des deux éléments du droit coutumier dans la pratique de la Court international”, Revue générale de droit international public, Vol. 90, 1986, p.5.
[43] محكمة العدل الدولية الدائمة PCIJ, Lotus case الحاشية 19 أعلاه ص 28.
[44] محكمة العدل الدولية ICJ, North Sea Continental Shelf cases الحاشية 12 أعلاه ص43-44 § 76-77.
[45] تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, Principle 17(iv) and Commentary الحاشية 18 أعلاه.
[46] للاطلاع على تحليل لهذه الظاهرة في تصرف المحاكم الدولية، أنظر Frederic L. Kirgis, “Custom on a Sliding Scale”, American Journal of International Law, Vol. 81, 1987, p.146.
[47] المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ International Military Tribunal at Nuremberg, Case of the Major War Criminals, Judgement, 1 October 1946, Official Documents, Vol. I, pp. 253-254.
[48] محكمة العدل الدولية ICJ, Case concerning Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua, pp. 106-110, §§ 202-209. الحاشية 14 أعلاه
[49] محكمة العدل الدولية ICJ, Nuclear Weapons case, p.255, §73. الحاشية 28 أعلاه كان لهذا القرار من محكمة العدل الدولية صلة بتحليل يقيّم توفر اعتقاد قانوني ثابت بما فيه الكفاية. وفي هذا السياق، وجدت المحكمة في ما يتعلق بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ذكرت أنّ استخدام الأسلحة النووية غير مشروع، والتي تم اعتمادها من قبل أكثرية عظمى من الدول، أنها لم تشكّل اعتقاداً قانونياً كافياً لتكريس قاعدة في القانون العرفي بسبب العدد الكبير من الأصوات السلبية والدول الممتنعة عن التصويت.
[50] Texaco Overseas Petroleum Company and California Asiatic Oil Company v. Libyan Arab Republic, Arbitral Award, 19 January 1977, §§ 80-91, reprinted in International Legal Materials, Vol. 17, 1978, pp. 27-31. وجد المحكّم الوحيد أنه لا يوجد دعم كافٍ من مجموعة دول متأثرة بشكل خاص لميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول وللإعلان عن إنشاء نظام اقتصادي دولي جديد.
[51] محكمة العدل الدولية ICJ, North Sea Continental Shelf cases الحاشية 12 أعلاه.
[52] محكمة العدل الدولية ICJ, Case concerning Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua, pp. 99-100, § 188. الحاشية 14 أعلاه.
[53] محكمة العدل الدولية ICJ, Continental Shelf case, p. 33, § 34 الحاشية 11 أعلاه ارتفع عدد الادعاءات بمنطقة اقتصادية حصرية إلى 56، بما فيها ادعاءات عدة دول متأثرة بشكل خاص.
[54] محكمة العدل الدولية ICJ, Continental Shelf case, pp. 29-30, § 27 الحاشية 11 أعلاه.
[55] محكمة العدل الدولية ICJ, North Sea Continental Shelf cases, p.42, §73 الحاشية 12 أعلاه.
[56] تقرير جمعية القانون الدولي ILA Report, Principles 20-21, 24, 26 and 27, pp. 754 - 765 الحاشية 18 أعلاه.
[57] المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ International Military Tribunal at Nuremberg, Case of the Major War Criminals الحاشية 47 أعلاه.
[58] محكمة العدل الدولية ICJ, Case concerning Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua, p. 114, § 218. الحاشية 14 أعلاه.
[59] محكمة العدل الدولية ICJ, Nuclear Weapons case, pp. 257-258, §§ 79 and 82 الحاشية 28 أعلاه.
[60] Philippe Kirsch, “Foreword”, in Knut Dörmann, Elements of War Crimes under the Rome Statute of the International Criminal Court: Sources and Commentary, p. xiii; see also Report of the Preparatory Committee on the Establishment of an International Criminal Court, Vol. I, Proceedings of the Preparatory Committee during March-April and August 1996, UN General Assembly Official Records, UN Doc. A/51/22, 13 September 1996, § 54. الحاشية 1 أعلاه.