القاعدة 148. أعمال الاقتصاص في النزاعات المسلحة غير الدولية.

القاعدة 148. ليس لأطراف النزاعات المسلحة غير الدولية الحق في اللجوء إلى أعمال الاقتصاص الحربي. وتحظر أية أفعال أخرى مضادة بحق الأشخاص الذين لا يقومون بدور مباشر أو الذين توقفوا عن القيام بدور مباشر في الأعمال العدائية.
المجلد الثاني، الفصل 41، القسم هـ.
تكرّس ممارسة الدول هذه القاعدة كإحدى قواعد القانون الدولي العرفي المنطبقة في النزاعات المسلحة غير الدولية.
تحظر المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وأخذ الرهائن، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، والحرمان من محاكمة عادلة. وتنطبق هذه المحظورات وتبقى منطبقة "في جميع الأوقاف والأماكن".[1] وبالتالي، يحظر أيّ اقتصاص يستتبع أحد هذه الأفعال.[2] وبالإضافة إلى ذلك، تنصّ المادة 3 المشتركة على أنّ جميع الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة، أو الذين توقفوا عن المشاركة بشكل مباشر في الأعمال العدائية، يعاملون "في جميع الأحوال" معاملة إنسانية.[3] ولذلك، يحظر أيضاً أيّ اقتصاص لا يتماشى مع هذا الشرط في المعاملة الإنسانية.[4] وبالإضافة إلى ذلك، تشكّل القواعد الواردة في المادة 3 المشتركة، وكما أكّدت ذلك محكمة العدل الدولية، "معيار الحد الأدنى" لكافة النزاعات المسلحة، وتعكس "الاعتبارات الأولية للإنسانية".[5] وعلى نحو مماثل، تحظر المادة 4 من البروتوكول الإضافي الثاني الاقتصاص من جميع الأشخاص الذين لا يُشاركون بصورة مباشرة أو الذين يكفون عن المشاركة في الأعمال العدائية.[6]
وقد جرت في الممارسة إدانة أعمال الاقتصاص في النزاعات المسلحة غير الدولية. وعلى سبيل المثال، أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولجنة حقوق الإنسان، في قرارات تم اعتمادها في سياق لنزاع في أفغانستان، تدابير الاقتصاص ضد المدنيين.[7] كما أدان من المقررين الخاصين للجنة حقوق الإنسان "اقتصاص"القتل والاحتجاز، في ما يتعلق بالنزاعات في تشاد، وكولومبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وروندا، وتركيا.[8]
وفي قرار تم اعتماده في العام 1970، أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة التأكيد على المبدأ القائل إن "السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين، لا يجوز أن يكونوا محلاً للاقتصاص" كمبدأ أساسي لحماية السكان المدنيين في النزاعات المسلحة.[9] وفي قضية تاديتش في العام 1995، اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أنّ هذا القرار "بياني لمبادئ القانون الدولي العرفي بخصوص حمية السكان المدنيين والأعيان المدنية في النزاعات المسلحة من أي نوع كانت".[10]
وفي قضية مارتيتش في العام 1996، قضت المحكمة بحظر الاقتصاص ضد المدنيين في النزاعات المسلحة غير الدولية استناداً إلى المادة 4 (2) من البروتوكول الإضافي الثاني، لأنه يخالف "الحظر المطلق الوارد في هذا الحكم، والذي لا يجوز المساس به، "ولأنّ السلوك المحظور يجب أن يبقى محظوراً في كل زمان ومكان". واعتبرت المحكمة أيضاً أنّ حظر الاقتصاص ضد المدنيين في النزاعات المسلحة غير الدولية يتعزز بتضمين حظر "العقوبات الجماعية" في المادة 4 (2) (ب) من البروتوكول الإضافي الثاني.[11] كما أن "العقوبات الجماعية" محظورة أيضاً بمقتضى القانون الدولي العرفي (انظر القاعدة 103) وتؤكد عدة كتيّبات عسكرية، إضافة إلى ذلك، حظر كافة أعمال الثأر.[12]
ولا يوجد دليل كافٍ على أنّ مفهوم الاقتصاص المشروع في النزاعات المسلحة غير الدولية، بحد ذاته، قد وُجد أصلاً في القانون الدولي. فالممارسة التي تصف الغرض من الاقتصاص وشروط اللجوء إليه بأكملها، تشير إلى العلاقات بين الدول وتأتي من الممارسة في القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين. والممارسة الحديثة العهد التي تتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية لا تدعم بأيّ شكل من الأشكال فكرة إنفاذ القانون في هذه النزاعات من خلال الاقتصاص أو التدابير المضادة المشابهة له، بل على العكس تشدّد على أهمية حماية المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال، واحترام قانون حقوق الانسان، والوسائل الدبلوماسية لوقف الانتهاكات. وتعرّف عدة كتيّبات عسكرية الاقتصاص الحربي على أنه تدبير إنفاذ للقانون من قبل دولة ضد أخرى.[13]
وقد جرى رفض اقتراح لتضمين محظورات محددة لأعمال الاقتصاص في النزاعات المسلحة غير الدولية قُدّم أثناء المؤتمر الدبلوماسي الذي أدى إلى اعتماد البروتوكولين الإضافيين. وكانت الأسباب التي أعطيت لهذا الرفض خلال المؤتمر هامة في هذا الشأن. فقد ذكرت أربع دول فقط أنها تظن أنّ مفهوم الاقتصاص في النزاعات المسلحة غير الدولية ممكن في القانون الدولي، وهي الكاميرون، وفنلندا، وألمانيا، ويوغوسلافيا. غير أنّ الكاميرون رأت أنّ أعمال الاقتصاص يجب أن تكون "محصورة في حالات معيّنة ومحددة، ويجري ذكرها بشكل حصري".[14] وتقبلت فنلندا الفكرة، ولكنها ذكرت أنّ أعمال الاقتصاص "يجب ألاّ تستخدم إطلاقاً، وفي أيّ ظرف كان، ضد السكان المدنيين "لأن" هناك اتفاقاً عالمياُ على أنّ أعمال الاقتصاص ذات الطابع اللاإنساني غير مسموح بها".[15] وبالنسبة ليوغوسلافيا، فمن المسلّم به أنّ الاقتصاص محظور ضد الأشخاص والأعيان الذين تحت سلطة العدو؛ "فهذه القاعدة في القانون الدولي العرفي ... جرى تقنينها في العام 1949 في اتفاقيات جنيف". وفي ما يتعد هذا الحظر، اعتبرت أنّ الاقتصاص لا يجوز أن يمارس إطلاقاً ضد "غير المقاتلين، والنساء، والأطفال".[16] وكان رأي ألمانيا أن ليس من اعتراض من ناحية قانونية على استخدام مصطلح "اقتصاص"، ولكن يمكن الاستنتاج من ناحية سياسية أن استخدام هذا المصطلح "يعطي أطراف النزاع وضعاُ بمقتضى القانون الدولي، ليس لهم الحق في ادعائه"، واقترحت عبارة" تدابير الرد retaliation مقارنة بالاقتصاص reprisals" التي يمكن ألاّ تقابل بالاعترضات ذاتها.[17]
وقد صوتت عدة دول ضد الاقتراح لأنها شعرت بأنّ مفهوم الاقتصاص بحد ذاته ليس له مكان في النزاعات المسلحة غير الدولية.[18] كما عبّرت بعض الدول عن مخاوفها من أنّ إدخال هذا المصطلح، حتى وإن كان على هيئة حظر، قد يعطي الانطباع النقيض بأنّ المفهوم ممكن.[19]
ومن أجل تفادي إدخال مفهوم الاقتصاص (إذ أنّ هذا قد يعطي خطأ الانطباع أنّ في القانون الدولي مثل هذه الإمكانية في النزاعات المسلحة غير الدولية)، تقدمت كندا، وإيران، وإيطاليا، وباكستان، والفلبين باقتراحات متنوعة، مع تفادي استخدام مصطلح الاقتصاص"، لإيضاح الفكرة بأنّ الأطراف محظور عليها أية تدابير مضادة أو أعمال انتقامية كرد على انتهاكات الطرف الخصم.[20]
كما عبّر الوفد البلجيكي في المؤتمر الدبلوماسي عن وجهة نظره في ما يتعلق بالضمانات الأساسية في المادة 4 من البروتوكول الإضافي الثاني بأن "مسألة الاقتصاص لا يمكن أن تنجم عن هذه المادة، لأنّ بمقتضى نصّها يعامل الأشخاص الذي لا يشتركون بصورة مباشرة أو الذين يكفّون عن المشاركة في الأعمال العدائية في جميع الأحوال معاملة إنسانية".[21] واتخذت إيطاليا، والسويد، والمملكة المتحدة موقفاً مشابهاً.[22]
[1] اتفاقيات جنيف، المادة 3 المشتركة.
[2] انظر Jean S. Pictet (ed.), Commentary on the First Geneva Convention, ICRC, Genvea, 1952, p. 55.
[3] اتفاقيات جنيف، المادة 3 المشتركة.
[4] انظر Jean S. Pictet (ed.), Commentary on the First Geneva Convention, ICRC, Genvea, 1952, p.55.
[5] اتفاقيات جنيف، المادة 3 المشتركة؛ محكمة العدل الدولية ICJ, Case concerning Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States), Merits, Judgement, 27 June 1986, ICJ Reports 1986, p. 114, § 218.
[6] انظر Yves Sandoz, Christophe Swinarski, Bruno Zimmermann (eds.), Commentary on the Additional Protocols, ICRC, Geneva, 1987. § 4530; انظر أيضاً Michael Bothe, Karl Joseph Partsch, Waldemar A. Solf (eds.), New Rules for Victims of Armed Conflicts, Martinus Nijhoff, The Hague, 1982, P. 637.
[7] انظر، على سبيل المثال، الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرارين 48/152 و49/207 (المرجع نفسه، §1248)؛ لجنة حقوق الإنسان القرارين 1993/66 و1994/84 (المرجع نفسه، §1249)، والقرار 1995/74 (المرجع نفسه، §1250).
[8] انظر، على سبيل المثال، لجنة حقوق الإنسان UN Commission on Human Rights, Special Rapporteur on Extrajudicial, Summary or Arbitrary Executions, Reports (ibid., §§ 1251-1253), Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in Rwanda, Reports (ibid., §§ 1254-1255), Special Rapporteur on Torture and Special Rapporteur on Extrajudicial, Summary or Aarbitrary Executions, Joint Report (ibid., § 1256), Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in Zaire, Report (ibid., § 1257); see also UN Verification Mission in Guatemale, Director, First-Fourth Reports (ibid., § 1258).
[9] الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار (XXV) 2675 (تم اعتماده بصالح 109 أصوات، دون معارضة، وامتناع 8 عن التصويت) (المرجع نفسه، §766).
[10] المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ICTY, Tadić case, Interlocutory Appeal (المرجع نفسه، §1263).
[11] ICTY, Martić case, Review of the Indictment (المرجع نفسه، §1264).
[12] نظر، على سبيل المثال، الدليل العسكري لبنين (المرجع نفسه، §70)، وفرنسا (المرجع نفسه، §75)، والفلبين (المرجع نفسه، §88)، وتوغو (المرجع نفسه، §93).
[13] انظر، على سبيل المثال، الدليل العسكري لأستراليا (المرجع نفسه، §67-68)، وكندا (المرجع نفسه، §71)، والإكوادور (المرجع نفسه، §74)، وألمانيا (المرجع نفسه، §76 و78)، وهولندا (المرجع نفسه، §85)، ونيوزيلندا (المرجع نفسه، §86)، والمملكة المتحدة (المرجع نفسه، §94)، والولايات المتحدة (المرجع نفسه، §97 و99).
[14] انظر بيان الكاميرون (المرجع نفسه، §1208).
[15] انظر، بيان فنلندا (المرجع نفسه، §1215)؛ انظر أيضاً بيان نيوزيلندا (المرجع نفسه، §1233).
[16] انظر بيان يوغوسلافيا (المرجع نفسه، §1244).
[17] انظر بيان جمهورية ألمانيا الاتحادية (المرجع نفسه، §1219).
[18] انظر بيانات كندا (المرجع نفسه، §1212)، وإيران (المرجع نفسه، §1226-1227)، والعراق (المرجع نفسه، §1228)، والمكسيك (المرجع نفسه، §1231)، ونيجيريا (المرجع نفسه، §1234)، والولايات المتحدة (المرجع نفسه، §1242).
[19] انظر بيانات المكسيك (المرجع نفسه، §1221)، وبولندا (المرجع نفسه، §1238)، وسوريا (المرجع نفسه، §1240).
[20] انظر المقترحات المقدمة إلى المؤتمر الدبلوماسي لتأكيد وتطوير القانون الدولي الإنساني المطبّق في النزاعات المسلحة CDDH by Canada (ibid., §§ 1210 – 1211) (“acts of retaliation comparable to reprisals” and “measures which are in breach of the Protocol”), Iran (ibid., § 1225) (“acts of vengeance”), Italy (ibid., § 1229) (“the provisions of the present Part must be observed at all times and in all circumstances, even if the other Party to the conflict is guilty of violating the provisions of the present Protocol”), Pakistan (ibid., § 1236) (“isolated cases of disrespect … by one party shall not in any circumstances authorize non-compliance by the other party … even for purposes of inducing the adverse party to comply with its obligations”) and Philippines (ibid., § 1237) (“countermeasures”); see also the statement of Nigeria (ibid., § 1234) (“retaliation” or “vengeance”).
[21] انظر بيان بلجيكا (المرجع نفسه، §1207).
[22] انظر بيانات إيطاليا (المرجع نفسه، §1230)، والسويد (المرجع نفسه، §1239)، والمملكة المتحدة (المرجع نفسه، §1241)؛ انظر أيضاً بيان يوغوسلافيا (المرجع نفسه، §1244).